الرئيسية / سياحة عالمية / تراث مهد الحضارات مهدد .. تدمير ممنهج وعجز مجتمعي عن حماية الآثار بالعراق
تراث مهد الحضارات مهدد .. تدمير ممنهج وعجز مجتمعي عن حماية الآثار بالعراق
التراث العراقي تحول لأماكن للعب الأطفال

تراث مهد الحضارات مهدد .. تدمير ممنهج وعجز مجتمعي عن حماية الآثار بالعراق

كتب – أحمد زكي : لم يشهد فن النحت في العراق منذ انطلاق مدرسته الأولى عام 1956 على يد مجموعة في مقدمتها جواد سليم وخالد الرحال وخليل الورد فترة سبات كتلك التي يمر بها حاليا. ولم يشهد العراق منذ بداية القرن العشرين مثيلا لما يشهده حاليا من تدهور شوّه كل ما كان يعزه في تاريخه الحديث والمعاصر من قيم مادية وروحية، وهو تدهور لا يمكن عزله عن التدهور الشامل الذي أصاب المجتمع.

يجمع العراق بين ثنائيتين متناقضتين تشكلان خصوصيته المتفردة، ففي الوقت الذي يتم تصويره على أنه مهد الحضارة، هو أيضا بلد يتّسم بالدمار الهائل والنهب المتكرر لمؤسساته الثقافية. وضمن هذا الإطار شديد الاستقطاب، تركت أجيال من العراقيين وطنهم على مدى عقود وكان من بينهم فنانون ومثقفون هاجروا من العراق ويواجهون استحالة العودة أو حتى صعوبة التواصل مع أقاربهم داخل البلاد في سياق الانقسامات العميقة.

ورغم ذلك يحاول الفنانون العراقيون في المنفى التفاعل من الخارج وإعادة أجواء المدينة المفقودة من خلال إبداعاتهم.

“سعلوة” و”صكر أفليح”

تسميات شعبية فكاهية أطلقت على النصب التي أثارت سخرية الناس؛ إذ سمي تمثال صقر كربلاء “صكر أفليح” وهي حكاية عراقية تراثية ترمز للفشل
انتشرت خلال السنوات القليلة الماضية نصب لمنحوتات مشوّهة وغير فنية، ولا تحمل من الجانب الفني غير الإساءة إلى الفن العراقي. هكذا عدّها المختصون، ونظروا إليها كنصب بدائية لا تحمل مقومات الفن.

وأطلقت تسميات شعبية فكاهية مختلفة على النصب التي أثارت سخرية الناس؛ ففي الناصرية سُمي تمثال المرأة السومرية “السعلوة” بسبب منظرها البشع، في إشارة إلى أسطورة “السعلوة”، وهي حكاية من الموروث الشعبي، في حين أطلقوا على تمثال صقر كربلاء “صكر أفليح”، وهي حكاية ترمز لفشل شخص يدعى فلاح كان لديه صقر يصيد الأفاعي ويرميها عليه، وفي البصرة أطلق المواطنون على نصب فني يحمل دلالة عن النفط تمثال “الباذنجانة” بسبب شكله الذي يشبه الباذنجانة.

وفتحت تلك الأعمال الباب أمام تساؤلات كبرى عن مستقبل النحت العراقي، لاسيما بعد ظهورها في ساحات عامة في عدة محافظات العراق، مما يثير المخاوف أكثر بشأن اتساع التشوه البصري وانحسار الأعمال الفنية التي تحمل بصمة جمالية واضحة.

تدمير ممنهج

يشتكى مواطنون عراقيون وفنانون تشكيليون من كثرة التجاوزات المستمرة والإهمال المتعمد من قبل الحكومة العراقية للنصب والتماثيل التذكارية في العراق التي تدل على ثقافته وعراقة تاريخه.
في بلد لا تصل الكهرباء إلى العاصمة إلا بضع ساعات فقط في اليوم، فإن تمويل الفن ليس أولوية.

ويرى الفنان ليث فتاح الترك شقيق الفنان الراحل إسماعيل فتاح الترك أن “غياب المحترفات والمشاغل في العاصمة وباقي المدن أدى إلى تراجع فن النحت وغياب ملامح مدرسته التي أرسى قواعدها الحقيقية الراحل جواد سليم”. وتابع الترك إن “فراغ المشاغل الفنية والمحترفات أسفر عن انقطاع الفنانين عن أجواء الإبداع والعمل الفني لمواصلة الإنتاج المميز”.
ويستذكر الفنان والشاعر عمار بن حاتم بغداد عندما كان يحلّق فوقها قائلا “كنت تشعر أنك تحلق فوق متحف كبير لوجود كم هائل من النصب والتماثيل الكبيرة التي تؤرخ لمراحل مهمة من تاريخ العراق الحديث، وهذه النصب هي نتاج فكري وفني وثقافي عظيم لمجموعة فنانين عظام كان يشار عالميا، وكانت أعمالهم الشامخة في بغداد أشبه ما تكون علامة فارقة”.

وجه العراق الجديد

تغير الأمر بعد أن بدأت إفرازات الغزو الأميركي من تخلف وجهل وتسيد الجهلة من الناس ووصول التيارات الدينية المتشددة إلى سدة الحكم تظهر إلى السطح.

وغالبًا ما تقع الأعمال الفنية فريسة للانتقام السياسي. بمجرد أن تبدأ حقبة سياسية جديدة، يقع إزالة أو تدمير رموز الحقبة السابقة. وبدأت حملة إزالة التماثيل والنصب التي هي جزء من تاريخ العراق الذي لا يمكن استئصاله واقتطاعه بسهولة، إذ أنه من المفروض الحفاظ على بعضها وعدم إزالته من الساحات المهمة وسط بغداد والمدن الأخرى، فهناك شواهد ونتاجات فنية عظيمة تؤرخ لمراحل مهمة من تاريخ العراق.
ولم يتوقف هذا الحقد التاريخي على الحجر والبرونز والصوان العراقي الممزوج عرقا، عند سنة بعينها بل كان يرى في كل تاريخ العراق هدفا لتدميره. أما التماثيل التي لم تصلها يد الهدم والصهر والحقد فقد أمست، مكبات للنفايات.

ويقول الناشط غيث التميمي إن “التيارات الأصولية، تستهدف المعالم الأثرية والحضارية وكأنها تريد إفراغ هذه البلدان والمجتمعات من عمقها التاريخي والحضاري، لكي تجعلنا أمة بلا ذاكرة”.

ويؤكد متحدث باسم وزارة الداخلية، أن “ظاهرة مهاجمة الآثار والتماثيل والرموز في الساحات العامة على الجانب الأمني ​​فحسب، بل هي انعكاس لثقافة اجتماعية نشأت في أوقات الحروب والأزمات والفساد السياسي والاقتصادي – مما يؤدي إلى تمرد اجتماعي ضد أي شيء يتعلق بالفن والتراث والقيم”.
وينص قانون الآثار والتراث عدد 55 لسنة 2008 على الحفاظ على الرموز التراثية والفنية التي يعتز بها الناس، وتشمل العقوبات المنجرة عن مخالفة هذا القانون السجن لمدة تصل إلى 10 سنوات بالإضافة إلى غرامة بقيمة الضرر. ويبقى القانون، بناء على التجارب السابقة، حبرا على ورق.

عجز مجتمعي

للعراق تقليد طويل وفخور في الفنون. تظهر بقايا بلاد ما بين النهرين القديمة أن النحت ازدهر هنا لآلاف السنين، وفي العصر الإسلامي، كانت مدن العراق مراكز مشهورة عالميا للشعر والفلسفة.

ولا تعدو أزمة التماثيل الماثلة الآن إلا أن تكون جزءا من الأزمة الاجتماعية الشاملة.

وتعبر هذه الأزمة عن عجز المجتمع العراقي عن تطوير قواه البنيوية لتدهور علاقاته الاجتماعية الطبقية والمذهبية، وعلاقاته الاقتصادية، بفعل إهمال الحكومات المتعاقبة لأغلب

مؤسساته الإنتاجية والعلمية والثقافية مما ولدَّ حالة أثرت بمجملها على البنى الاجتماعية المتوسطة والأدنى، مما حدا بأفراد هذه المستويات للتطلع بأمل كبير إلى الثقافة وإلى المثقفين حتى يمارسوا دورهم الطبيعي في التبشير بكسر حالة الجمود بين قوى المجتمع وتطوّرها حضاريا.
ويقول مراقبون إن “دولة لا تؤمن بالإنسان وتدفع به إلى الانهيار والسقوط، كيف يمكن أن نطالبها بالاهتمام بجوانب تعد من علامات الرقي والذوق والإشارات الجمالية؟”.

ورغم ذلك، يعمل فنانون في الداخل والخارج لإعادة الحياة لفن النحت.

وتقول الفنانة العراقية زينب الركابي “في بلد مثل العراق مليئ بالاحداث، من الطبيعي أن يكون للفنان دوره الكبير في حياة مجتمعه من خلال أعماله”.

وأعاد فريق من النحاتين الشباب يضم محمد نزار وعمر الخفاف ونزار عبد اللطيف وخالد العبادي وعمر ابراهيم، إحياء التماثيل التي دمرتها أيدي التطرف في الموصل سعياً منهم إلى مساعدة سكان المدينة على نفض ذكريات الظلم والقهر الوحشي والعقوبات الفظيعة التي كانت الساحات العامة مسرحا لكثير منها، وعاثت في مدينتهم خرابا.

التماثيل المشوهة

وتقول الأديبة العراقية عالية طالب إن “التماثيل المشوهة وجدت طرقا للزحف إلى العاصمة ومؤسساتها الأدبية والثقافية لتكون شاهدة على تدني الذائقة الفنية النحتية رغم أن حضارة العراق تشير الى ظهور النحت في الألف الخامس قبل الميلاد، ولنا في منحوتات اثار بابل وسومر، ما يؤكد أهمية النحات العراقي في كل الحقب الزمنية”.

وبالرغم من نشاط جمعية التشكيليين العراقيين بإقامة معرضها السنوي الذي يضم أعمالا مميزة، إلا أن الواقع التطبيقي يقول إن ما يراه العراقيون في المعارض الخاصة لا يجدونه في الأماكن العامة وبقيت النصب النحتية المنفذة في عقود مضت هي الوحيدة المميزة في تواجدها البصري يحسب للفنان العراقي الذي استطاع أن يكسر المحلية إلى العالمية واعتبرت أعماله إضافة حقيقية للنحت.

وتؤكد طالب أن “المطلوب الاستفادة الحقيقية من هذه النماذج لتنفيذها في بغداد والمحافظات وإزالة النصب المشوهة التي وجدت لها موطئ قدم في بلد عريق بمبدعيه مثل العراق، واعادة العمل باللجنة المتخصصة التي كانت تشرف على إجازة النصب النحتية والتماثيل في العاصمة والمحافظات وحافظت على مفهوم الجمالية والإبداع في اغلب الأعمال المنفذة، ولم تساوم أو تتهاون في قبول أعمال تؤسس للتلوث البصري والفني والجمالي والذوقي، وهو ما يجب الحرص على عدم تواجده لنعيد البهاء للعراق”.

نابض بالحياة

كان الفن العراقي نابضا بالحياة في القرن العشرين، على الرغم من أن عقودا من الحرب والعقوبات الاقتصادية في عهد الرئيس الراحل صدام حسين تسببت في هجرة العديد من الفنانين، كما أدت اليد الحازمة للدكتاتورية إلى خنق الفن.

ورغم ذلك ظهرت أعمال نحت مميزة لتزيّن ساحات بغداد ومنها ما ترسخ في الذاكرة وخاصة نصب الجندي المجهول الذي تم تنفيذه من قبل ثلاثة مهندسين (عبدالله إحسان كامل ورفعت الجادرجي وإحسان شيرزاد) في ستينيات القرن الماضي ثم توالت الأعمال المبدعة لينتصب عام 1961 نصب الحرية للفنان الراحل جواد سليم وتمثال الأم للفنان الراحل خالد الرحال.

وبرز بعدها نصب ثورة 14 يوليو عام 1963 للفنان ميران السعدي ونصب النسور عام 1969 بالإضافة إلى نصب “شهريار وشهرزاد” وتمثال معروف الرصافي وعبدالمحسن الكاظمي وكهرمانة والفارس العربي والواسطي والمتنبي ونصب الشهيد وتمثال العدالة في شارع حيفا والقائمة تطول.

تدهور وضع الفنانين أكثر بعد الإطاحة بنظام صدام حسين. فرّ العديد من مثقفي بغداد من العنف واسع النطاق.

انقلبت الحياة فجأة بعد الغزو الأميركي ومعها تغيّرت الكثير من السياقات والملامح، ومنها بشكل عام ما يتعلق بالفني والثقافي والذوقي وبشكل خاص ما يتعلق بجمالية المكان والأعمال الفنية التي تنفذ فيه.

وفي أبريل 2003، نُهب متحف بغداد الأثري ومتحف الفنون الحديثة (المعروف سابقا باسم مركز صدام للفنون) والمكتبة الوطنية العراقية. صدمت صور المتاحف المنهوبة الشعب العراقي والعالم. أدان المجتمع الدولي تدمير التراث الأثري الثقافي العراقي. وأعيد افتتاح المتحف الأثري في عام 2015.

أنتج الفنانون المعاصرون المقيمون في العراق أو في الخارج بعض الأعمال المسروقة. وفي سياق الحزن العالمي على التراث الثقافي المشترك المفقود، طوّر الفنانون والمتحمسون للفن مبادرات ليس فقط لاستعادة الأعمال الفنية المفقودة، ولكن أيضا للنضال من أجل الاعتراف بها كجزء من الأصول التراثية.

شاهد أيضاً

ألمانيا تفرض حجراً صحياً 10 أيام على الوافدين إليها من المناطق الخطرة

ألمانيا تسمح بدخول المسافرين من خارج الاتحاد الأوروبي بشرط

وكالات: أعلنت وزارة الداخلية الألمانية أنها ستسمح بدخول القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي اعتبارا من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *