الرئيسية / تجربتي / المطبخ المصري تاريخ طويل من التميز.. إعادة إحياء أكلات وتوثيقها باليونيسكو
المطبخ المصري تاريخ طويل من التميز.. إعادة إحياء أكلات وتوثيقها باليونيسكو
العيش مصطلح مصري خالص

المطبخ المصري تاريخ طويل من التميز.. إعادة إحياء أكلات وتوثيقها باليونيسكو

كتب – أحمد زكي : يشكّل الطعام جزءًا لا يتجزّأ من ثقافة الشعوب وتراثها الثقافي، وترتبط الأعياد والمناسبات والاحتفالات كافة في مصر بأكلات معينة تميّزها، وتُعدّ من مظاهر الاحتفال مثل عيدَي الأضحى والفطر وشهر رمضان واحتفالات شم النسيم التي تصاحبها دائماً طقوس تناول الأسماك المملحة الشهيرة.

وحين يُذكر الطعام المصري، تتبادر إلى الأذهان أطباق الفول والطعمية والكشري والأكلات الشهيرة التي تنتشر في المنازل والمتاجر على السواء، إلا أن كثيرين لا يعلمون أن هناك عشرات وربما المئات من أصناف الطعام ذات التاريخ الطويل الذي يمتد لآلاف السنين في كل محافظة، بل يمكن القول في كل مدينة مصرية، بعضها لا يزال موجوداً ومنتشراً ويعتمد عليه الناس بشكل كبير، والبعض الآخر قلّ إعداده ولم يعُد متداولاً، بخاصة بين الأجيال الجديدة.

شغل هذا الأمر سيدة مصرية ودفعها إلى تأسيس مبادرة لتوثيق أنواع الطعام المصري في كل أنحاء البلاد، معتمدة على وسائل عدة للبحث والتنقيب عن الأكلات.

الملوخية

فبعض الوصفات يمكن الحصول عليها وتوثيقها من الناس مباشرة والبعض الآخر يعتمد فيه على الكتب والمراجع القديمة في التاريخ والطهي على السواء، وتهدف المبادرة إلى أن تصبح مرجعاً للأكل المصري على مر الزمن وأن تعيد إحياء الأكلات التي لم تعُد تطهى بشكل كبير.

أهداف المبادرة

وعن البداية، تقول سميرة عبد القادر مؤسسة المبادرة “من خلال متابعاتي، وجدت كمية من المعلومات المغلوطة المتداولة عن تاريخ الطعام المصري، أصبحت تنتشر أخيراً بصورة كبيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما لاحظت غياب جهة محددة، سواء كانت رسمية أو أهلية تهتم بهذه النقطة من تراثنا تحديداً، على الرغم من أن الأكل هو جزء من تراث أي بلد وتاريخه وجانب من موروثه الثقافي ينبغي حمايته والحفاظ عليه”.

وتضيف “كل محافظة في مصر تتميز بأكلات ربما لا يعرفها أهالي المحافظات الأخرى. ففي شمال مصر، تشتهر الإسكندرية بأصناف من الحلويات مثل الهريسة والحجازية وتشتهر الشرقية بأكلة قديمة جداً تشبه السينابون حالياً وتُسمّى المعمولة، بينما نجد في محافظة بورسعيد حلويات مثل التمرية والسمنية. وفي الجنوب، هناك أكلات كثيرة جداً منها السخينة وهي أصل شوربة البصل وكانت معروفة جداً لعصور طويلة بالصعيد وكانت من الأكلات الرئيسة التي تقدم في القصر الملكي، وكل هذه الأكلات لم تعُد تحظى بالانتشار ولا يعرفها معظم الناس”.

وتُعدّ شوربة السخينة غالباً في فصل الشتاء لأنها تساعد على الدفء، بتحمير كمية من البصل في السمن حتى يصير ذهبي اللون، ومن ثم إضافة ما يعادل أربعة أكواب من شوربة اللحم الساخنة، يضاف إليها ربع كوب رز مع البهارات وهي الملح والفلفل وقليل من الكمون وتُترك على النار حتى تنضج وتقدم ساخنة.

مصادر التوثيق

فكرة التوثيق بشكل عام تحتاج إلى مصادر وبحث واطلاع وتعامل مع أشخاص مهتمين بمجال معين ولكن في حالة توثيق الطعام فكيف يمكن القيام بالأمر ومن أين تُستقى المعلومات المطلوبة لتكون دقيقة وموثقة، توضح سميرة “الاعتماد أساساً يكون على الكتب التاريخية، فهناك كتب طهي تضم وصفات مصرية بدءًا من العصر الإسلامي. أما ما قبل ذلك، فلم توجد كتب الطهي بمفهومها المتعارف عليه، فالمصريون القدماء لم يهتموا بفكرة تدوين الوصفات على عكس ثقافات أخرى، فوصلت المعلومات عن طريق بقايا الطعام الموجود في المقابر والبرديات، ويمكن القول إن أول كتاب للطهي بالمفهوم المتعارف عليه ظهر في القرن الرابع عشر وهو كتاب كنز الفوائد، وهو يُعدّ أكبر كتاب طهي قديم في المنطقة العربية”.

وتضيف “بالنسبة إلى الحقب السابقة لهذه المرحلة، نعتمد في التوثيق على كتب الرحالة الذين كانوا منتشرين في مصر آنذاك، فهناك رحالة عراقيون كانوا موجودين في البلاد بكثرة خلال فترة القرنين التاسع والعاشر، ووصفوا أكلات محلية وجدوها في هذا الزمن. وفي فترة العصر الفاطمي، نستطيع القول إن مصر كانت عاصمة الطهي في الشرق الأوسط بكمّ الأصناف التي كانت تُطهى في هذا الوقت والتي انتشر كثير منها في الدول العربية، بخاصة الحلويات”.

نقطة قوة في المطبخ المصري

تختلف ثقافة الطعام وتتنوع المأكولات في كل بلد ويكون لها ما يميزها تبعاً لنوعية المكونات التي تتوافر فيها بكثرة، إلا أن كل دولة تكون لها نقطة قوة معينة أو نوع محدد من الأكل أو طريقة إعداد مختلفة، تشتهر بها.

ولكن ما أكثر ما تميّز به المطبخ المصري على مر العصور، تجيب سميرة “من أكبر نقاط القوة في المطبخ المصري هي المخبوزات، فنستطيع القول إن الحضارة المصرية القديمة من أوائل من عرف المخبوزات في العالم وليس الشرق الأوسط فقط، فالمصريون أول من ابتكر تخمير العجين ليتضاعف حجمه وأول من صنع العجينة المتطورة، فصنعوا الخبز والفطائر بكل الأشكال وصنعوا عجائن مختلفة للخبز، لا يزال بعضها يُطهى حتى الآن، كما صنعوا الفطائر الشبيهة بالبيتزا، والعجين المورق مثل الفطير المشلتت المصري الشهير. هذا النوع من العجين اشتقت منه بعد ذلك مخبوزات غربية مثل الكرواسون”.

وتضيف “صنع المصري القديم المخبوزات بأشكال هندسية وأشكال حيوانات ومقبرة الملك رمسيس الثالث فيها الكثير جداً من أشكال الخبز والفطائر التي استمرت بعد ذلك خلال حقبة البطالمة والرومان الذين نقلوها إلى أوروبا”.

100 نوع من الخبز

الخبز أو ما يُطلق عليه المصريون “العيش”، هو جزء رئيس من أي وجبة، وعامل مشترك على كل الموائد في طول البلاد وعرضها، تعدّدت أنواعه وأشكاله وأدخلت عليه تطورات عدة ليظل جزءًا مهماً من ثقافة الطعام في البلاد التي عرفت أصنافاً مختلفة منه تتميز بها كل منطقة. وتضيف سميرة عبد القادر، مؤسسة المبادرة “تتعدد أنواع الخبز في مصر وتختلف، وربما تصل إلى 100 نوع ولكل محافظة ما يميزها، ومن أهمها خبز البتاو ويُسمّى في محافظات أخرى الرقاق أو المرحرح ويصنع بدقيق القمح أو الذرة وأحياناً تدخل فيه الحلبة أو الفواكه المجففة أو البذور مثل الكراوية، والخبز البلدي الذي يصنع من دقيق القمح الكامل وربما هو الأشهر الآن في مصر، بخاصة في المدن”.

الفطير المشلتت

وتوضح “تنتشر في الصعيد أنواع متعددة من الخبز مثل الخبز الشمسي وخبر الكماج أو البتاكين، وأنواع أخرى مثل الدوكة والكابد والمصبوبة التي تشبه الكريب وتصنع من عجين سائل، فكل منطقة حتى في الإقليم ذاته لها نوع خاص من الخبز يميزها ويصنع باستمرار للاستخدام اليومي”.

ويُحضّر خبز الكابد بمزج الخميرة وقليل من الملح مع الدقيق، ثم عجنها بإضافة الماء فقط إلى أن يصبح الخليط سائلاً بقوام سميك نسبياً، فتترك فترة لتخمر ومن ثم تُسوّى بوضع كمية مناسبة على صاج معدني يوضع على النار يُسمّى الدوكة وتقلب على الجانبين حتى تنضج

الفول المدمس.

ربما تُعدّ أكلة معينة في أكثر من بلد، ولكن بطرق مختلفة تميزها وتُعتبر جزءًا من ثقافة الناس في هذا المكان، وعرف المصريون منذ آلاف السنين وسائل متعددة لطبخ الأطعمة وحفظها وتناقلوها حتى الآن. فهل تُوثّق طرق الطهي أيضاً ضمن المبادرة؟

تقول سميرة “التوثيق يشمل طرق الإعداد أيضاً وليس فقط وصفات الطعام، فالكنافة مثلاً أصلها مصري كنشأة ولكنها انتقلت إلى بلدان أخرى أعدّوها بطرق مختلفة، يعتبر أكثرها شهرة الكنافة النابلسية التي صنعها الفلسطينيون بالجبن وأصبحت من علامات مدينة نابلس وهكذا بالنسبة إلى كثير من الأكلات التي تنشأ في بلد وتطوّر وتدخل عليها بلدان أخرى إضافات وابتكارات. فقد ورد عن مؤرخين فرنسيين أن الحملة الفرنسية على مصر أخذت كثيراً من الأكلات ونقلت وصفاتها إلى فرنسا وأضافت إليها وليس العكس كما يتوقع الناس وهذا كلام موثق من الفرنسيين أنفسهم”.

وتضيف “المطبخ المصري يميزه التنوع، فنجد الخبز والحلويات والخضروات واللحوم والأسماك التي طبعت المطبخ المصري منذ عهد الفراعنة الذين عرفوا تقنيات متنوعة لحفظ السمك الذي كانت له مواسم وكان يتوافر بكميات كبيرة وقت الفيضان. فابتكروا التمليح والتدخين والتجفيف لحفظ الأسماك لأكبر فترة ممكنة من دون أن تفسد. وهناك أكلات مصرية شهيرة تصنع بوصفات متنوعة مثل طبق الملوخية الذي يُطهى بشكله التقليدي، واخترع المصريون أساليب لتجفيفها لتستخدم طوال العام، فيُحضر طاجن الشلولو والملوخية بالجمبري في السواحل وكذلك البامية بشكلها التقليدي والويكا والمجففة”.

وتُحضّر البامية الويكا وهي من الأصناف الشهيرة في الصعيد (جنوب مصر) بتقطيع البامية إلى شرائح رفيعة ومن ثم وضعها على النار في شوربة ساخنة حتى تنضج وإضافة الملح والفلفل. وفي مقلاة صغيرة، يحمّر القليل من الثوم في السمن وتضاف إليه الكزبرة المجففة وقليل من الفلفل المقطع بحجم صغير، ومن ثم يوضع المزيج على وجه البامية بعد نضجها، ويتم تناولها عادة بالخبز.

إحياء الأكلات القديمة

إلى جانب جهود التوثيق، تسعى المبادرة إلى العمل على إحياء الأكلات التراثية من خلال نشر تاريخها وطرق إعدادها وتشجيع الناس على تجربتها واكتشافها.
وترى سميرة أنه “لا بد من أن نعرف تراثنا ونهتم به ونسعى إلى الحفاظ عليه وإعادة إحياء الأكلات التي قلّ إعدادها أخيراً، من خلال وسائل متعددة، منها الكتابة عنها والتعريف بها بطرق مختلفة، ربما عبر إقامة فعاليات أو مهرجانات في كل منطقة من مصر وتقديم مثل هذه الأكلات فيها، بخاصة أن مثل هذه الأحداث سيشارك فيها الناس من المصريين والأجانب على السواء”.

وتتابع “هناك دول نجحت بالفعل في إدراج بعض أصناف من الطعام على قائمة التراث العالمي ليونيسكو باعتبارها جزءًا من تاريخها. فلماذا لا نسعى إلى القيام بالأمر ذاته، خصوصاً أن لدينا الكثير من الأكلات لا جدال على أصلها المصري وعلى أنها جزء من تراث توارثناه عبر آلاف السنين ولكن هذا الأمر يحتاج إلى تضافر كبير في الجهود بين الجهات الرسمية والأهلية وإلى تعاون من متخصصين في التاريخ واللغة والطهي لأن الأكلات تتغير أسماؤها عبر التاريخ وتتبدّل أسماء المكونات، إلا أن العمل على توثيق الوصفات المصرية القديمة يستحق الجهد. هو أمر ينبغي أن تكون له أهمية”.

شاهد أيضاً

السعودية تمتلك أكبر مخازن الغذاء في الشرق الأوسط وتهدر 4 ملايين طن سنويا

السعودية تمتلك أكبر مخازن الغذاء في الشرق الأوسط وتهدر 4 ملايين طن سنويا

كتب – أحمد زكي : تهدر السعودية نحو ثلث الأغذية لديها بما يصل لـ4 ملايين طن …