كتب_أحمد زكي ووكالات : القانون من أهم الآلات الموسيقية العربية وآلة رئيسية في التخت وفى جميع الفرق الموسيقية العربية بجميع تشكيلاتها القديمة والحديثة وينتشر القانون في العالم العربي كله وتركيا وايران كآلة تحمل طابع وروح الموسيقي العربية والشرقية. وهي آلة هامة جدا في دراسة الموسيقى العربية وخير مبرز لخصائصها ومقوماتها كما تشترك في الفرق الموسيقية المصاحبة للأغاني والرقصات الشعبية والمجموعة الآلية التي تصاحب بعض المغنين الشعبيين المشاركين في الاحتفالات والموالد والمناسبات الدينية والاجتماعية بينما يقل استخدامها كآلة شعبية فولكلورية بين الهواة والعامة من الطبقات الشعبية…
لكن من ناحية أخرى لا تخلو منها أية فرقة موسيقية تحت أي وصف أو تشكيل فني من أبسطها الى الفرق ذات المستوى الفني الرفيع حتى أدخلت أيضا الآلة في بعض المؤلفات السيمفونية العالمية .وآلة القانون شأنها شأن باقي الآلات الوترية تحتاج إلى عقل أكثر خبرة ودراية في تفهم طبيعة الأصوات والآلات كما تحتاج إلى مصمم مهندس فنان على قدر كبير من الذكاء والتحضر لأن الآلة الوترية تحتاج إلى عدة عناصر متكاملة ومتوافقة يجب توافرها تحت شروط ومواصفات معينة حتي يتم الحصول على الصوت بشكل واضح وبصورة مرضية نغميا . ومن الجدير بالذكر أنه لازالت الوتريات قليلة الاستخدام حتى اليوم في مناطق عديدة من العالم خاصة في إفريقيا وبعض أجزاء كبيرة من أمريكا اللاتينية كما في حوض الأمازون وجزر المحيط الباسيفيكي بينما وصلت صناعتها إلى غاية الدقة والروعة الفنية والتنوع خاصة آلات الأعواد والقوانين .
تاريخ ضارب في القدم
فعندما نتتبع الرحلة التاريخية لآلة القانون عبر مختلف العصور سنجد حتما أن لها سلسلة حلقات تطورية فاختلفت الآراء حول تاريخها ونشأتها وفقا للمراجع لكن الأرجح أننا نعتمد على ما ذكره الدكتور صبحي أنور رشيد في جميع مؤلفاته خاصة مرجعه القيم “ الآلات الموسيقية المصاحبة للمقام العراقي “ أن أصل القانون يرجع إلى آلة وترية مستطيلة الشكل شدت أوتارها بصورة موازية لسطح الصندوق الصوتي وهي تعود إلى ق 9 م ( العصر الأشوري الحديث ) وقد أطلق العرب عليها في العصر العباسي اسم ( النزهة ) ومع مرور الوقت تشعبت آلة النزهة إلى القانون إلى أن سيطر وانفرد؟ ولعل أقدم عصر جاءتنا منه اثار موسيقية لشكل القانون هو العصر العباسى وأن الكلمة الإغريقية قانون لا تدل على آلة القانون المعروف بل تدل على آلة ذات وتر واحد تعرف باسم ( المونوكورد ) لقياس نسب أصوات السلم الموسيقي والواقع أن الآثار الموسيقية الإغريقية والرومانية ليس فيها ما يثبت استعمال آلة القانون, مصدر آخر يذكر أن أقدم استخدام لآلة القانون يعود الى العصر العباسي وعلى وجه التحديد فى ق 10 م حيث ورد ذكرها فى “ألف ليلة وليلة” وجاء في الجزء الأول من كتاب “السماع عند العرب” لمجدي العقيلي أن القانون مستوحى من آلة الهارب الفرعونية وشاع استخدامها عند العرب إلا أنهم استعاضوا عنها بالقانون بعد ذلك شاع استخدامها عند الغربيين وأدخلت في فرقهم الموسيقية الكبيرة . تطور شكلها بالنسبة لما كانت عليه قديما إذ نجد شكلها في اللوحات الأثرية الكنعانية وفي المعابد الفرعونية يختلف كل الاختلاف عما هو عليه الآن كما نجد مثلها في بقايا الآلات المكتشفة في بابل وآشور ويعد القانون قانونا وتطبيقا عمليا للمقامات في الموسيقى العربية وهو آلة إسلامية أرجعها بعض المؤرخين إلى العصر العباسي وبعضهم الآخر نسب اختراعها إلى أبي النصر الفارابي وهناك من يقول أن بدايات هذه الآلة يرجع استخدامها عند العرب إلى ما قبل هذا التاريخ (صميم الشريف –مرجع سابق) ويدل شكل القانون شبه المنحرف والعدد الكبير من الخطوط النسبية التي يتكون منها سطحه الواقع بين الضلعين المتوازيين والذي شدت عليه الأوتار على أن هذه الآلة كانت تستخدم في الماضي كقاعدة أو سلمة نسبية أو قياسية للمقارنة بين الأطوال المختلفة للأوتار ولذلك عدت هذه الآلة كنمط أو نموذج لكل الأوتار مثلما كانت طوال تاريخها في مصر القديمة فيبدو أنها من مشتقات الجنك المثلث المصري بأن جعل له صندوق من الخشب قليل الارتفاع على هيئة شبه المنحرف القائم الزاوية من الجهة اليمنى تشد عليه الأوتار مستعرضة أقصرها في أعلاه وهي الأحد طبقة وأطولها في أدناه وهي الثقيلة النغم ولقد استخدمها عالم الموسيقى والرياضيات بطلميوس الاسكندري (المولود بمدينة نقراطيس بالدلتا والذي ترعرع في مدينة بيلوزيوم اوتل الفرما ق 2 م أو بالوظة حاليا) مثلما كانت العادة في مصر القديمة لتكون مقياسا لصحة العلاقات الهارمونية للنغمات عن طريق ضبط طول الأوتار وأطلق اسم “قاعدة القانون” Basis canon على هذه الآلة وذكر ذلك مؤلفه “الهارمونيات” واشتق العرب منها اسم القانون وكان بطلميوس يستخدم هذه الآلة للمقارنة بين أطوال ونسب الأوتار إلى بعضها في أية آلة وترية وكذلك لتحديد العلاقات المختلفة بين النغمات وهو النظام الذي اقتبسه العرب واعتبروه لب النظام الموسيقي وجوهره المقتبس عن الإغريق في حين أنه كان سائدا في مصر القديمة منذ أزمان سحيقة .
القانون وحيد الوتر
أصل القانون هو القيثارة وحيدة الوتر والتي كانت في مصر القديمة تعد معيارا موسيقيا وتستخدم قانونا مبدئيا وكانت وظيفة هذه القيثارة تقتصر على تقسيم وقياس الوتر إلى كل من أجزائه الرنانة فتحدث نغمة رئيسية مميزة عن نغمات الأجزاء الرنانة الأخرى للوتر وذلك عن طريق طول الجزء الرنان والعلاقة بين النغمة التي يحدثها أي من هذه الأجزاء بالنغمة التي تصدر عن الوتر ككل وهذه القيثارة الفرعونية كانت النموذج الأول للنظام الموسيقي المصري والتي استخدمت لتبيان التقسيم الهارموني وأطلق عليها بطلميوس اسم “القانون وحيد الوتر” Monocordus Canon ورسم لها شكلا شاهدها في المعابد المصرية القديمة خاصة من الدولة الوسطى والتي كانت لقيثارة مزودة بوتر واحد ( أي عصفورة ) أو وترين وجاء الرومان أيام القيصر أغسطس حينما غزا مصر عام 30 ق.م فوجد هذه القيثارة في مدينة اون (هليوبوليس) فنقلها إلى روما (وكانت مزودة بوترين) ونشرها في كل أوروبا وكان للقانون وحيد الوتر أو ذو الوترين اهتمام ديني كبير في مصر القديمة إذ وضعت في عداد الرموز والشعارات المقدسة في الخط الهيروغليفي للغة المصرية القديمة ودخلت في رسوم تبين مشاهد من الطقوس الدينية المصرية وقد ذكر أفلاطون في مؤلفه”حوار تيماوس مع سولون أن كاهنا مصريا أخبره بأن المصريين القدماء كانوا لا يهملون نقش أي شيء قد تكون له فائدة ولذلك خلدوها فوق المباني الدينية وأعمال الزراعة والتمرينات الرياضية ومعالم التاريخ والمعارك وغيرها فالفيتارة أو القانون ثنائي الأوتار كان في صمر القديمة رمزا للنهار والليل أو لنصفي السنة التي تنتقل الشمس خلال كل منهما من مدار لآخر كما أن الغيتارة وحيدة الوتر كانت تعد النمط المبدئي لنظام الهارمونية الموسيقية كلها وبالتالي رمزا لنظام الهارمونية الكونية والفلكية كلها وقد ذكر أفلاطون وفيثاغورث (اللذان نهلا من فلسفة مدرسة الكهان بمصر القديمة وتعلما الموسيقى والرياضيات) أن المبادئ الأساسية للموسيقى المصرية كانت وثيقة الصلة بمبادئ الفلك عندهم أو كانا توأمين وبينا أن العيون قد خلقت لتراقب النجوم وكذلك خلقت الآن لتلتقط الحركات الهارمونية وقد دأب المصريون القدماء على المقارنة بين الهارمونية الكونية والهارمونية الموسيقية وأقاموا مقابلات بين الكواكب السبعة والأنغام الموسيقية كما مثلوا الفصول بأوتار القيتارة ( وقد ظل هذا الرابط قائما حتى القرن 8م) لذلك استخدمت القيتارة وحيدة الوتر كآلة موسيقية بعد أن استخدمت طويلا كرمز لهارمونية حركة الكون وتقلبات الفصول الدورية والمسافات الخاصة بالكواكب والنجوم فيما بينها وخلدوا في آثارهم المعرفة بقوانين الطبيعة وقد نصح فيثاغورث تلاميذه دائما بالعودة إلى الغيتارة وحيدة الوتر للتعبير عن الحركة الكونية التي كان الكهان يعتقدون أنها تشكل تناغما هارمونيا محسوسا كما أكد الفيلسوف الفيثاغورسي (بانا كموس panacmus) بأن الواجب الموسيقي هو تنظيم النغمات فيما بينها ودراسة القوانين الهارمونية في كل ما تضمه الطبيعة ولقد أضاف العلماء أوتارا أخرى إلى هذا القانون وحيد الوتر بدلا من اقتصاره على قياس أطوال الأوتار وتحديد العلاقات الهارمونية بين النغمات واختيار أفضلها في الميلودي والتطريب وفي مدينة لاليديمونيا الإغريقية القديمة كان أهلها يعاقبون بشدة كل من حاول ابتكار بدع في الموسيقي تؤدي إلى تغيير المسار النافع للقيثارات أو القوانين عن طريق استخدامها في مجالات جديدة تساعد على زيادة الطيش والنزوات العابرة الضحلة التي تجافي كل ما هو سليم من عقل وإحساس وذوق مما يعتبرون خارقين للقوانين ومفسدين للتقاليد باتلافهم للموسيقى.
القانون الثلاثي والمتعدد
ظهر في مصر القديمة القانون الثلاثي الأوتار من ابتكار كهنتها وعدت رمز الفصول الثلاثة التي تقسم السنة في مصر وحيطت بكل التبجيل والتقديس وقد اقتبس الإغريق هذه الآلة وأطلقوا عليها اسم قيثارة عطارد القديمة ثم ابتكر قدماء المصريين القانون متعدد الأوتار وله شكل شبه المنحرف وبعدها ظهرت أنواع جديدة من آلات موسيقية مماثلة مثل السنطير (السنطور) في الشرق كما ظهرت آلات البسالتريون والتمبانون والهارب القديم ومنها ظهر البيانو الحديث في عصر النهضة الأوروبية
ترجع إلى العصر العباسي ويقال إن الفارابي (874 – 950م) هو مخترع أقرب شكل لآلة القانون الحالية حيث ركب الأوتار المستعرضة المطلقة على الصندوق الرنان شبه المنحرف وعزف عليها نبرا نغمات ارتاحت لها النفوس وكما ألمحنا فالآلة يعود تاريخها لأقدم من ذلك لكن يعود للعرب وللفارابي فضل تحسينها واستكمالها لتنتشر في العالم العربي ومنه إلى الأندلس منذ القرن 12م
القانون في الموسيقى الأندلسية
القانون المستخدم في شمال إفريقيا والجزائر يبدو أنه كان أصغر حجما وأقل كمالا من القانون المصري أو التركي ولا تعدو أوتاره واحدا وعشرين وترا ثلاثية القو فعدتها جميعا ثلاثة وستون والأشبه أنه كانت تحيط بالنغمات من “اليكاه” ثقلا إلى ثان صياح “الجهاركاه” في الطبقات الحادة غير أن الذي تعلم عن تسوية أوتار القانون هو أنه يحيط بثلاث طبقات ندي الكل في مقام “الراست” على التسوية أو صياحها على الأساس “لا la” “فا” وسط هذه طريقة مقام راست نوا على الأساس (مي mi) والوسطى الثقيلة هي طريقة مقام “الراست” على الأساس “لاla” والوسطى الحادة هي نغم مقام “راست كردن” على الأساس (لاla) ثم يؤخذ من الجانب الأثقل ذي الخمس مما يلي نغمة الراست أو ذي الأربعة وقد يؤخذ الأربعة أو ذي السادسة والأمر كذلك من الجانب الأحد أما أن يؤخذ ذو الأربعة أو ذو الخمس والأهم في ذلك أن تؤخذ النغم على قياس تردداتها بالحقيقة دون النظر إلى طبقات كيفما اتفق وهذا بفرض أن جنس الراست “في التسوية الطبيعية انما هو على الأساس (لا la) كما أن جنس (العجم) إنما يؤخذ من المبدإ على أساس (صول sol) .
وهو يخلو من الطبقة الجلدية التي ترى في القانون المصري من الجانب الأيمن منه ويشبه أن يكون صنفا من الأنواع القديمة ولقد حمله العرب الفاتحون إلى المغرب والاندلس وعرف فيهما تارة بالقانون وتارة أخرى بالسنطور أو السنطير ولقد ذكره الشقندي (ت 626 هـ) بإسم القانون وذكره بعد ذلك بسنوات قليلة العلامة ابن خلدون من بين الآلات الوترية الشائعة على عهده بالمغرب أما محمد بن الدراج السبتي (ت 693 هـ) فلم يورد ذكره بالرغم من اهتمامه بتعداد آلالات ووصفها وقد أحيا (العلمي) في “الانيس المطرب” ذكر هذه الآلة تحت اسم السنطير واتي بعده ( التادلي ) فساقها تحت اسم القانون . ولعل مما يفسر تفرد العلمي بتسمية هذه الآلة بالسنطير بدل القانون أن يكون أخذ ذلك عن البوعصامي الذي نعلم أنه أقام بمصر حقبة من الزمن حيث تلقى جملة من المعارف الموسيقية الشرقية ومن ضمنها أسماء الآلات ذاتها
ومن هنا فإن اختلاف التسمية ليس إلا من باب تعدد الأسماء بمسمى واحد وقد شاع استخدام القانون في أوساط أجواق الموسيقى الغرناطية بالرباط من استقرار الموريسكوس بها وهو أمر يتأكد من خلال شهادة عالم الرباط سيدي إبراهيم التادلي (ت 1331 هـ) الذي منح هذه الآلة في كتابه “أغاني السيقا” المرتبة الرابعة من بين أحسن آلات الطرب كما تأكد فيما قبل من خلال مشاهدة سجلها المؤرخ المغربي محمد الضعيف ( ت 1233هـ) عندما قال “في ليلة الأحد 17 صفر عام 1226هـ بعث السلطان المولى سليمان في طلب الحاج بن الطيب نباني لرباطي فطلع عليه لأنه يعرف ضرب السنطير مع الآلة فبات يضرب السنطير مع العود والرباب فأعطى القانون ذاته ومن ثم فإن القول أن “أول من أدخل استعماله في عزف الموسيقي الأندلسية هو المرحوم الفنان احمد بلمحجوب زنيير” قد يعني نقل استخدامه من حظيرة الطرب الغرناطي بالرباط إلى حظيرة “الآلة الاندلسية” بالمدينة نفسها على يد هذا الفنان الذي يعتبر في آن واحد من رواد الطرب الغرناطي وأحد تلاميذ المدرسة الفاسية التي انتقلت مؤثراتها الرباط حديثا وتسوي أوتار القانون طبقا لنظام السلم الطبيعي في حالة عزف الموسيقي الأندلسية ونظرا لضعف رناته وخفوت صوته فغالبا ما تسند إليه مصاحبة منشدي المواويل التي شجعت ظاهرة إدخال الأنغام الشرقية إلى الآلة الأندلسية (عبد العزيز عبد الجليل – الموسيقي الأندلسية المغربية – المجلس الوطني الثقافة عالم المعرفة – العدد 129 – سبتمبر 1988 م الكويت ص 147 )
ابتكار السنطير
أما السنطور فاسمه في اللغة الهيروغليفية سنطير وتعرف أيضا بأسماء سنتر وسنتير وصنتر ويقال أيضا سنطير أو santier أو santour وكلاهما محرف عن الفارسية سان تار san- tar) يراد به أنه القانون ذو الأوتار من السلك والأصل فيه مشتق من الصناعة عن أصناف المعازف البدائية القديمة من ذوات الأوتار المطلقة ورد ذكرها في التوراة ثم ترجمت إلى العربية تارة مرادفة لاسم القانون وتارة مرادفة لاسم السنتير (غطاس عبد الملك – ص165) ولقد استخدمت بقلة في مصر الفرعونية لاعتقادهم بأن القانون آلة أرقى منها بكثير لذلك لن يستخدمها سوى المسيحيين والإغريق ويتكون السنطير من صندوق مسطح خشبي على شكل معين ويماثل القانون في هيئته إلا أن له جانبين مائلين ( بدلا من جانب واحد للقانون )
كما يمثل السنطير شكلا ثلاثيا مجدوعا عند قمته ولهذه الآلة أوتار ثنائية التصفيف ومصنوعة من المعدن وينقر عليها بعصوين صغيرتين من الخشب ،أن أول من أظهر آلة السنطير ورتب أوتارها الترتيب المعهود إلى زماننا أو الأقرب إليه هو صفي الدين الأرموي البغدادي ( ت 693 هـ) وقد انتشرت هذه الآلة بعد أن تهذبت صناعتها وعمت أنحاء العراق وما حواليها وظهرت أيضا جنوب أوروبا وفي السنطير العراقي لا تزال ترى مسطرة الملاوي إلى يمين الآلة كما كانت في القديم ولم تختلف في غير الدق على أوتارها ثم في ترتيب دعامات لها بوسط الآلة وأنها صارت أقرب إلى هيئة شبه المنحرف وعلى الرغم من أن السنطير العراقي لا يزال يستعمل بأنحاء العراق إلا أن الصنف المحدث منه عند أهل الشرق يبدو على هيئة شبه المنحرف التام المتساوي الجانبين وقاعدته السفلى تقرب من ثلاثة أمثال قاعدته العليا الموازية لها وصندوقه المصوت يصنع عادة من خشب الجو زاو ما يماثله وارتفاعه لها بعدد بوصتين ويقسم سطحه بدعامات من خشب النارنج تمر عليها أو خلالها أوتار من النحاس بعضها ثلاثي القوى وبعضها ثنائي وتسوية الأوتار وترتيبها في دعامات في وسط الآلة أو في طرفها يكاد يكون مشابها في جميعها
فهي في مد أقصاه ثلاث طبقات بذي الكل على قياس ترتيب النغم من جنس (الراست) وتجعل وكأنها في ثلاثة صفوف تبعا لاختلاف طبقاتها تقع ملاويها أكثر الأمر في الجهة اليسرى من الآلة فبعض الأوتار يمثل النغم السجاحات أي الفرارات الثقيلة وهذه تقع على يمين الآلة مستعرضة لها من أسفل وبعض يختص بالنغم السبع الأساسية الأوساط مع صياحاتها وبعضها يختص بالنغم الفرعية التي تحول عن تلك الأساسية بقصد استيفاء نغم مقامات الألحان التي تؤدى عليها هذه تقع إلى يمين الآلة من الأعلى ولها دعامات في الوسط وقد يختلف ترتيب الأوتار وعددها قليل تبعا للصناعة وعدة النغم المسموعة منها غير أنها أكثر الأمر ثلاثون نغمة أو أقل كل منها في وتر ثلاثي القوى وقد يكون الوتر في بعض ذلك ثنائيا من جنسه فعدتها جميعا لاتجاوز اثنين وتسعين وترا وطريقة العمل عليه كما في آلة القانون وذلك أن يجعل الضارب أمامه على حامل ثم يدق على أوتاره المعدنية بمضربين صغيرين من الخشب ينتهي كل منها بقاعدة ملتوية مغلفة بالسن
وفي جنوب أوروبا صنف منه يعرف بالسنطير الهنغاري قريب الشبه مما في الشرق يسموه بلغتهم ( سمباك cymbal) غير أن هذه التسمية قد يراد بها من المبدإ ما هو من جنس الصنج ذي الإيقاع والأشبه أنهم يسمونه كذلك على هذا الرغم . وعلى هذا الوجه يختلف علماء أوروبا في اسم هذه الآلة وقد ذكرها المستشرق الانجليزي هنري فارمر بقوله “ أما السنطير والجمع سناطير فكان عادة ما نسميه : دلسيمير Dulcimer وفي هذه الآلة تسمى في مصر في القرن الخامس عشر “القانون ” كانت تسمى في سوريا “السنطير” وفي الحقيقة لم يكن السنطير إلا نوعا من القانون يعزف عليه أفقيا بقضبان ضاربة بدلا من العزف عليه رأسيا بالدق على أوتارها بدلا من جذبها كما في القانون بالدارة الصغيرة المسماة “الإصبع” وكان الإسمان يطلقان على آلة واحدة في القرن الخامس عشر
ولكن ذكر الآلتين في مصر عام 1520م حين ذكر ابن اياس “القانون والسنطير” معا مما يدل على أنهما كانتا متميزتين الواحدة عن الأخرى ….” ورغم ذلك فالسنطير آلة قليلة الاستخدام في مصر وشمال إفريقيا اكتفاء بآلة القانون لكنها تستخدم أكثر في العراق و موطنة ابتداء ثم في سوريا غير أن المشاهد أن هذه الآلة في طريقها إلى الانقراض لقلة الحذاق الذين يألفون العمل عليها ثم لاعتقاد بعض أهل الصناعة بأن السنطير قد لا يساوق الألحان الطبيعية المقرونة بحروف الأقاويل على الوجه الذي تسمع به من القانون ولا زال هناك خلاف على موطنها الأصلي بين علماء الآثار وعلماء الاثنوغرافيا الذين يرجعونها الى مرحلة ما قبل الميلاد فإذا كانت هناك آراء تصر على أنها آلة تنتمي إلى الشرق القديم فإنهم أيضا لا يختلفون عن أنها ابنة حوض البحر الأبيض المتوسط والحضارة الفرعونية وهناك رأي أنها قدمت من حضارة الإغريق ورحلت مع مسيرة الغزو والجيوش نحو الهدف أما كيف رحلت فهناك اختلاف في الزمن والمسار ودقة التوقيت البعض يعتقد أنها مرت إلى تركيا ثم إيران مرورا بمنطقة حضارة الرافدين وبلاد الشام أو أن العكس هو الصحيح أي ارتحلت من إيران إلى حضارة الإغريق عبر المنطقة الثرية بالحضارة وهي بلاد الرافدين وبلاد الشام حيث استوطنت فيها الحضارة الأشورية والأكادية والسومرية والبابلية كل تلك السلالات محظورة حقائقها في الحفريات والآثار والنقوش وبعض المختصين بتاريخ الآلات الموسيقية يرون أن السنطور انبثق من تطور موضوعي لآلة الهارب الأشورية وهذه إحدى الفرضيات
ولكن هناك رأي يرجعها إلى الحضارة الفارسية إذ أن لقطة الصنتور فارسية مما يفرض احتمال أن أصلها المادي جاء من هناك بالإضافة إلى النقوش الجدارية وحضورها المنتظم في القرن 17 وظلت برغم قدمها محصورة بين بعض البلدان كايران وتركيا واليونان وبعض بلدان المنطقة العربية إلا أنها محدودة الاستخدام ولم يتم إدخالها إلى الاوركسترات العالمية ونتيجة لتشابهها مع آلة القانون فقد انكمش استخدامها أيضا وانحصرت بين المهتمين بالعزف على الأغاني الفلكلورية والقديمة والتراثية وطائفة الغجر في منطقة البلقان ومن شاهد فيلم زوربا اليوناني الشهير الذي مثله الممثل الأمريكي المعروف انتوني كوين فإنه سيرى العلاقة الحميمية بين زوربا والآته السنتور والتي تلفظ في اليونانية سنتوري وقد ركز على أهميتها الكاتب نيكوس كازنتزاكيس كونها تحمل دلالات إنسانية وروحية بين شخصية في الرواية وهو زوربا وعلاقته بالآلة والعزف والرقص ومن المعروف أن السنطور تستخدم أكثر في الجزر اليونانية القريبة من الحدود التركية مثل جزيرة مدليني نتيجة العلاقة التاريخية بهذه الجزر والحضارة الهيلينية ومع التأثر والتأثير كانت رحلة آلة السنطور من شرقنا القديم إلى حضارة الإغريق وفي الوقت الذي انكمش حضورها في موطنها الأصلي إيران وجدت لها مكانة مرموقة بين الغجر والجزر اليونانية
ورد أيضا في الموسوعة الألكترونية ويكيبيديا أن أول حضارة عرفت استخدام السنطور هي الحضارة البابلية الذين جسدوا السنطور في ملاحمهم التاريخية مثل ملحمة كلكامش مع وجود رقميات نقشت عليها آلة السنطور وهو آلة مصاحبة للجافلي البغدادي والمقام العرقي وله دور كبير في السيطرة على إيقاع الأغنية ونقل المفردات الموسيقية وهو من الآلات الموسيقية صعبة الاستخدام مما تسبب في قلة العازفين عليها وهي تدرس في معهد الفنون الجميلة بالعراق قسم الموسيقى الشرقية
أسرار التكوين والصناعة
القانون أغنى الآلات أنغاما وأطربها صوتا بما تتميز به من مساحة صوتية واسعة تشمل ثلاثة دواوين (اوكتا) ونصف الديوان تقريبا لتغطي كافة مقامات الموسيقى العربية إضافة لاعتماد كل عازفي آلات الموسيقى عليها في ضبط ودوزنة آلاتهم وتمركزها وسط الاوركسترا العربية ولقد عثر على علبة من عاج الفيل منقوش عليها آلة القانون في العاصمة الآشورية نمرود ( الاسم القديم: كالح) التي تبعد حوالي 35 كم عن مدينة الموصل والآلة في هذا الاثر الأشوري مستطيلة الشكل وقد شدت أوتارها بصورة أفقية متوازنة على وجه الصندوق الصوتي ويؤكد هنري جورج فارمر في مرجعه القيم “تاريخ الموسيقى العربية وجد من عائلة القوانين القانون والنزهة والأخير من اختراع صفي الدين عبد المؤمن وهو يؤكد ذلك أيضا في مرجعية الهامين “مخطوطات موسيقية عربية” و “دراسات في الآلات الموسيقية الشرقية”
كما يؤكد أن صفي الدين ابتكر أيضا آلة أخرى هي “المغني”وتوصف بأنها شبيهة بالقانون من ناحية وتصور كالعود من ناحية أخرى وحافظت النزهة على شكلها المستطيل وظلت تستخدم جنبا الى جنب مع القانون في الشرق والغرب ثم اختفت النزهة وانفرد القانون حيث اقتبسه الغرب من الشرق وظهر في أوروبا منذ العصور الوسطى في القرن 11 م وقد استمر استخدامه في القرون اللاحقة إلا أنه أخذ يفقد أهميته ويقل استخدامه بظهور وانتشار آلة البيانو منذ القرن 17 م ولم يقتصر انتقال القانون على أوروبا بل انتقل للهند وأواسط آسيا والصين والقانون حتى أواسط القرن 19 م كان طوله يبلغ 99.4 سم وعرضه 40 سم وسمكه 5.25 سم لكن القوانين الأحدث يبلغ طولها 84.2 وعرضها 68.8 سم وسمكها 4.7 ويصنع من خشب الجوز بينما تكثر به الزخارف على سطحه الأعلى وأحيانا يصنع وجهه العلوي والسفلي من نوع جيد من الخشب الأبيض (الشوح أو الموسكي )
بينما تصنع جوانبه من خشب الزان وكذلك الجزء الذي تمر منه الملاوي وكذلك الحافة التي تمر عليها الأوتار أما الأوتاد فتصنع من خشب الجوز بينما يصنع الكوبري من خشب الموسكي الفاخر وتوجد في الجزء الأوسط من وجه القانون قطعة مستديرة خشبية ذات لون أحمر مليئة بالثقوب بينما توجد قطعة أخرى صوب الجزء المثلث من الآلة مملوءة تماثل الخمسة أرجل للكوبري وفوقه مثبتة قطعة من جلد السمك عرضها 22.50 سم كما يرقد الكوبري ذو الخمسة أرجل فوق هذا الجلد الذي يغطي الخمسة ثقوب بحيث يعمد الى الضغط لأسفل على الجلد ( سمير الجمال – ص 261) والقانون عامة مؤلف من قطعتين خشبيتين تشبهان مستطيلا يتممه مثلث تضمان فيما بينهما تجويفا يساوي الحجم المحصور بين القطعتين الخشبيتين كان يشد عليهما قديما أربعة وعشرون مقاما ( صوتا ) وكل مقام مؤلف من ثلاثة أوتار ومجموع عدد أوتار اثنان وسبعون وترا وهي تصنع من أمعاء الخروف كي تحدث صوتا لينا طبيعيا وتكون أوتارا كل مقام أغلظ من أوتار المقام الذي يليه وأدق من الذي سبقه أما الآن فيشدون على القانون مقامين أو ثلاثة مقامات في القرار أي زيادة ستة أوتار أو تسعة على الأربعة والعشرين مقاما فيصبح عدد مقاماته سبعة وعشرين مقاما
تقنيات العزف
تسوى الأوتار تسوية السلم العربي في النغم الأصلية الثمانية لمقام الراست وترتب في ثلاث طبقات بذي الكل وقد تزيد قليلا وكل وتر منها يجعل في مجموعة ثلاثية من جنسه لتعزيز النغم فعدد الأوتار جميعا ما بين 63 الي 81 وترا والمعتاد عند إدارة تحويل بعض النغم بالرفع أو بالخفض يعمد المؤدي إلى الوتر المختص بها فيضغط على أقرب جزء في نهايته قرب الانق بحيث يستوفي الطبقة التي يعنيها وذلك إنما يكون بمراعاة مقام اللحن عند التسوية ابتداء وربما سويت الأوتار جميعا في طريقة مقام لحن بعينه مع مراعاة ما هو من المقامات المساعدة قريبا منه وقد جعلت أخيرا في صناعة القانون روافع صغيرة بحيال بعض الأوتار التي تخرج عليه إلا يلجأ إلى الضغط على الوتر أو إعادة تسويته وتلك الروافع يسميها أهل الصناعة : “عرب” جمع عربة غير أن الأصح في ذلك ألا تحول نغم الأوتار التي تمثل الطبقات الأصلية في استقرارات مقامات الألحان إلا عند العمل وبالضرورة والمراد بذلك ألا يلجأ المؤدي إلى عمل الألحان المشورة الطبقات بالنقل على طبقات آخر قد تكون ملائمة لتلك الأصلية فإن في ذلك إجهاد لذهن الضارب وإفساد لتمييز لطبقات بالسماع
فإن المقامات التي تصاغ فيها الألحان محدودة بمقاديرها المميزة لكل منها . وطريقة العزف أن يجلس الضارب ثم يجعله أمامه مستندا على ركبتيه أو على حامل ويجذب أوتاره بأداة أو ريشة دقيقة تهذب من قرن الحيوان وتوضع في كستبانين يلبسهما العازف في إصبعي السبابة من كلتا يديه ومداه الصوتي 4 أوكتاف تقريبا وتكتب مؤلفاته على مدرجي صول وفا كآلة البيانو كل ذلك بعد أن تسوى الأوتار تسوية مقام اللحن المراد العمل به مع توابعه من النغم الفرعية وتؤدي اليد اليمنى لتلك النغمات في طريقة اللحن وهي التي تعد في جملة محاسن الألحان الطبيعية وكل درجة صوتية واحدة يخصص لها وتران أو ثلاثة للقانون أو ثلاثة أو أربعة أوكتافات ويكون النبر عادة على مسافة أوكتاف أو يونيسون – ( نفس الدرجة ) بين اليدين بحيث تكون اليد اليسرى عادة هي الطبقة المنخفضة ويوجد تحت نهايات الأوتار من الجهة اليسرى مجموعة من الركابات الصغيرة أو العرب لكل وتر أو صوت ثلاثة أو أربعة منها يتم بها رفع أو خفض الدرجة الصوتية للوتر ( المجموعة المتشابهة من الأوتار ) بمقدار 1.4 تون لكل عربة يرفعها أو يخفضها العازف بيده اليسرى أثناء العزف في حالة تغيير الدرجات أو تلوينها عند الانتقالات اللحنية أو المقامية أو التحويلات فيما بينها
تجدر الإشارة إلى أنه في حين تكون السبابة اليمنى على مقام تكون السبابة اليسرى على قراره وعندما يحتاج العازف إلى أرباع المقام أو إنصافه يعمد إلى لائحة الحوامل المعدنية التى تقع تحت الأوتار إلى يسار الآلة عند مفاتيحها فيرفع أو يخفض ما يشاء بيده اليسرى حسب إشارات التحويل أو بعفق الوتر في موضع نغمته الأصلية ويمكن تطوير طريقة العزف على آلة القانون تطويرا جوهريا يدمي على العلم من أجل استخدامها في الفرق الموسيقية الغربية في مؤلفات الحوارية (كونشريتو concereto) أو في أي قالب موسيقي غربي آخر على نحو ما فعل الموسيقي أبو بكر خيرت في متتاليته الشعبية التي عزفتها فرقة بالغراد ألفها رميني بمرافقة عازف القانون الشهير عبد الفتاح منسي وصلحي الوادي في بعض الألحان الشعبية التراثية “ يا مايله على الغصون يا أبو عيون اللوزة” فلم تعد اليدان تؤديان نغمة واحدة معينة قرارا وجوابا بل نغمات منوعة وفق رغبة المؤلف وقد هدف صلحي الوادي الذي أولى هذه الآلة عنايته مع عازف القانون الشهير سليم سروة التي جعلها آلة قريبة في استعمالها من آلة البيانو فلا يقتصر العزف بها علي الريشتين المحصورتين في كل يد بين السبابة والإبهام بل على أصابع اليدين العشرة
وبذلك يتحقق التنويع المفروض وفي هذه الآلة وهذه التجربة لم تستمر بسبب مرض صاحبيها غير أن الأكاديمية اللبنانية تلقفت ما بدأه صلحي الوادي ونجحت عام 2001 في تحقيق العزف بآلة القانون بثلاثة أصابع في كل يد وقدمت مقطوعات للمشاهير من الموسيقيين في حفلات عامة والقانون نوعان: الكبير وهو المستخدم في فرق الموسيقى العربية عموما والقانون الصغير الذي اختفى من التخت الشرقي منذ أمد بعيد في حين ظل آلة أساسية في التخت الشرقي التركي والإيراني ويمتاز القانون الصغير بأصواته الحادة ويعد اسماعيل شنشيلر التركي أبرع من عزف بآلة القانون الصغير ويعد كل من رجب خلقي وعثمان قطرية وجمال الدين الهبل وعبد الحميد القلطقجي وسليم سروة وأمين الخياط وعدنان جارور من أبرع عازفي القانون في سوريا وكذلك أحمد منيمنة ومحي الدين الغالي في لبنان وسليم غزالة وإبراهيم عبد العال في فلسطين وحسن المغربي في تونس ومحمد العقاد الكبير ومصطفي بك رضا وإبراهيم عثمان العريان والعقاد الصغير وسيد محمد ومحمد عبده صالح وعبد الفتاح منسي وأحمد فؤاد حسن في مصر
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر