كتب – أحمد زكي : في لحظة فارقة تهتز لها أرجاء العالم الكاثوليكي، أعلن الفاتيكان رسميًا رحيل قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية ورأس دولة الفاتيكان، الذي عُرف بحكمته وانفتاحه على قضايا العصر. برحيله، تفتح صفحة جديدة في تاريخ الكنيسة، حيث تبدأ عملية دقيقة ومعقدة لاختيار خليفة له يتولى قيادة أكثر من مليار ونصف المليار كاثوليكي حول العالم. وبين تقاليد راسخة يعود عمرها إلى قرون، وتحديات عالمية جديدة، يترقب الملايين مراسم انتخاب البابا الجديد، وسط إجراءات تحمل الكثير من الرمزية والدقة.
البابا فرنسيس: بابا الفقراء والمصلح الهادئ
انتُخب البابا فرنسيس في مارس 2013، كأول بابا من قارة أمريكا الجنوبية، وأول بابا من الرهبنة اليسوعية. كان اسمه الحقيقي خورخي ماريو برغوليو، واشتهر بلقب “بابا الفقراء” بسبب تركيزه على قضايا العدالة الاجتماعية، مكافحة الفقر، ورغبته في إصلاح الكنيسة من الداخل، بعد سلسلة من الفضائح التي هزت مصداقيتها.
تميز فرنسيس بأسلوب بسيط متواضع، رفض السكن في القصر الرسولي، وأثار إعجاب الملايين بخطابه الإنساني الداعي للسلام والحوار مع بقية الأديان. كما كان من دعاة حماية البيئة ومناصرة قضايا المهاجرين.
برحيله، يفقد العالم الكاثوليكي زعيمًا روحيًا حاول أن يجعل الكنيسة أكثر قربًا من قضايا الإنسان الحديث.
مراسم انتخاب البابا الجديد: طقوس تحكمها القرون
المرحلة الأولى: اجتماع الكرادلة
بعد إعلان الوفاة، يتم تعليق كافة مهام الكرادلة الإدارية باستثناء إدارة الشؤون اليومية.
يجتمع مجمع الكرادلة في الفاتيكان خلال فترة تتراوح بين 15 إلى 20 يومًا لبدء “الكونكلاف”، وهو اجتماع انتخاب البابا.
المرحلة الثانية: عزل تام وإجراءات دقيقة
يُعزل الكرادلة داخل قاعات مغلقة خصيصًا لهم، وتُحظر عليهم أي وسائل تواصل مع العالم الخارجي (هواتف، بريد، وسائل إعلام).
تقام جلسات الاقتراع في كنيسة سيستين التاريخية تحت لوحات مايكل أنجلو الشهيرة.
المرحلة الثالثة: الاقتراع السري
تتم جولة أو جولتان من التصويت يوميًا.
كل كردينال يكتب اسم المرشح في ورقة تصويت، يضعها على مذبح الكنيسة.
يتطلب انتخاب البابا الجديد حصوله على ثلثي أصوات الحاضرين.
المرحلة الرابعة: إشارات الدخان
بعد كل جولة اقتراع:
إذا لم يتم انتخاب البابا: يُطلق دخان أسود من مدخنة الكنيسة.
إذا تم انتخاب البابا: يُطلق دخان أبيض يعلن للعالم أن “البابا الجديد قد وُلد”.
المرحلة الخامسة: الإعلان الرسمي
بعد القبول، يُعلن اسم البابا الجديد رسميًا من شرفة كاتدرائية القديس بطرس عبر الصيغة الشهيرة: “Habemus Papam” (“لدينا بابا”).
يلقي البابا المنتخب أول بركة له بعنوان “Urbi et Orbi” (“للمدينة والعالم”).
لمحات تاريخية عن انتخابات بابوية فارقة
انتخاب البابا يوحنا بولس الثاني (1978):
أول بابا غير إيطالي منذ أكثر من 450 سنة.
أتى من بولندا، ولعب دورًا بارزًا في إنهاء الشيوعية بأوروبا الشرقية.
انتخاب البابا بنديكتوس السادس عشر (2005):
بعد رحيل يوحنا بولس الثاني، تم انتخاب الكاردينال الألماني جوزيف راتزنغر، الذي قدم استقالته لاحقًا عام 2013، وهو أمر نادر في تاريخ البابوية.
انتخاب البابا فرنسيس (2013):
جاء انتخابه مفاجئًا للعالم، حيث كان أول بابا من نصف الكرة الجنوبي
المرشحون المحتملون لخلافة البابا فرنسيس
تتناول الأوساط الكنسية عدة أسماء بارزة من الكرادلة لخلافة البابا فرنسيس، منهم:
الكاردينال بيتر توركسون (غانا): أحد أبرز الشخصيات الإفريقية، ويُعرف بتوجهاته الإصلاحية.
الكاردينال لويس أنطونيو تاغلي (الفلبين): محبوب عالميًا، ويمثل الكنيسة في آسيا النامية.
الكاردينال ماتيو زوبي (إيطاليا): يتمتع بدعم قوي داخل إيطاليا وله مواقف معتدلة وانفتاحية.
الكاردينال شون أومالي (أمريكا): ذو سمعة جيدة في معالجة قضايا الاعتداءات الجنسية في الكنيسة.
يبقى التوازن الجغرافي والتوجهات اللاهوتية عوامل رئيسية في تحديد الاختيار، وسط مطالب متزايدة بتعزيز تمثيل العالم النامي.
بين التقاليد والتجديد
رحيل البابا فرنسيس يضع الكنيسة الكاثوليكية أمام منعطف دقيق بين التشبث بالتقاليد العريقة والحاجة المُلِحّة للتجديد ومواكبة تحديات القرن الحادي والعشرين.
ستكون الأيام القادمة شاهدة على واحد من أعمق الطقوس الدينية التي لا تزال تُمارس بسرية وروحانية، لتُفرز قائدًا روحيًا جديدًا لعالم يبحث عن السلام، والعدل، والأمل.
وبين دخان أبيض يتصاعد، وأعين تترقب، تتجدد رسالة الكنيسة في زمن العواصف والتغيرات.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر