كتب – أحمد زكي : في قلب الجنوب المصري، حيث تتعانق ضفاف النيل مع ذاكرة الأرض، يتردد صوت المزمار البلدي الصعيدي كنداء للفرح والاحتفال، وكتجسيد حي لثقافة متجذرة في التقاليد والعادات. لا يُعد المزمار مجرد آلة موسيقية شعبية، بل هو جزء من نسيج الحياة اليومية، وعلامة ثقافية واقتصادية لها امتداد يتجاوز المناسبات والاحتفالات، ليصل إلى عمق الهوية الجمعية لسكان صعيد مصر.
المزمار كوعاء للهوية الشعبية.
ينتمي المزمار إلى عائلة الآلات النفخية التقليدية، ويُصنع غالبًا من الخشب أو القصب، ويعتمد على النفَس الطويل والمهارة الحركية للعازف. لكنه، في السياق الصعيدي، يتجاوز حدوده كآلة موسيقية، ليصبح رمزًا للهوية الشعبية ومكونًا أساسيًا في المشهد الثقافي والاجتماعي.
في الأفراح، يُطلق المزمار شرارة الاحتفال، معلنًا بدء الزفة، ومرافقًا للرقص بالعصا المعروف باسم “التحطيب”. وفي الموالد والمناسبات الدينية، يضبط إيقاع حلقات الذكر الصوفي. هذا الامتداد الوظيفي جعل من المزمار لغة تعبّر عن الجماعة، ووسيلة للتعبير الجماعي عن الفرح والانتماء.
العازفون رواة الحكاية الشعبية.
العازف في الجنوب ليس مجرد موسيقي، بل هو راوٍ للحكاية الشعبية بصوت المزمار. يتوارث الفن من الآباء والأجداد، ويتنقّل من قرية إلى أخرى حاملاً نغماته في المناسبات. وغالبًا ما ينتمي العازفون إلى فرق تُعرف محليًا بـ”الطبلية”، ويعتمدون على هذا الفن كمصدر رئيسي للرزق.
رغم موهبتهم الكبيرة، يعيش معظم هؤلاء الفنانين في الهامش، خارج دائرة الضوء والدعم المؤسسي. لا يتمتعون بحماية اجتماعية أو تأمين صحي، ويخضع دخلهم لموسمية المناسبات، مما يجعل حياتهم رهينة تقلبات الطلب على هذا الفن.
الاقتصاد الشعبي المرتبط بالمزمار.
يشكّل المزمار جزءًا من منظومة اقتصادية محلية غير رسمية، تشمل العديد من الأنشطة المرتبطة بالمناسبات الشعبية. فعبر المزمار تتحرك سلسلة من الصناعات والخدمات، تشمل.
فرق الفنون الشعبية التي تؤدي العروض في القرى والمدن.
صناع الآلات التقليدية الذين يصنعون المزامير يدويًا.
منظمي الأفراح والاحتفالات الشعبية.
السياحة الثقافية التي تستفيد من هذا التراث في العروض السياحية.
يُستخدم المزمار في العروض الفنية المقدمة للسياح، خاصة في الأقصر وأسوان، ضمن فعاليات تضم التحطيب والرقص الشعبي. هذه العروض تخلق فرص عمل موسمية وتدعم الاقتصاد المحلي بطريقة غير مباشرة.
السياحة الثقافية والمزمار إمكانات كامنة.
رغم الإمكانات الكبيرة لفن المزمار في الترويج للسياحة الثقافية، لا يزال هذا الفن يُقدَّم بشكل عشوائي أو فردي، دون استراتيجية مؤسسية واضحة. لا توجد مهرجانات وطنية كبرى مخصصة له، ولا يتم تضمينه رسميًا في برامج تنشيط السياحة أو خطط الحفاظ على التراث غير المادي.
في الوقت ذاته، يظهر المزمار في بعض الفعاليات التراثية المحلية، مثل مهرجانات التحطيب والموالد، لكن تأثيره السياحي ما زال محدودًا، ويحتاج إلى دعم تنظيمي وتسويقي يليق بثرائه الفني والثقافي.
تهديدات تُهدد بقاء الفن.
يتعرض فن المزمار لعدة تهديدات معاصرة تهدد استمراريته، أهمها.
انتشار الموسيقى الإلكترونية والبدائل الحديثة في المناسبات.
تراجع إقبال الشباب على تعلم العزف على المزمار لغياب الدعم والتقدير المجتمعي.
غياب التوثيق الرسمي لهذا الفن سواء بالصوت أو الصورة أو البحث الأكاديمي.
ضعف تمثيله في المشهد الإعلامي والثقافي العام.
كل هذه التحديات تُضعف من حضور المزمار، وتجعل الحفاظ عليه مسؤولية ملحّة على الجهات الثقافية والحكومية والمجتمع المحلي.
الحفاظ على المزمار كرافد ثقافي وسياحي.
للحفاظ على هذا الفن العريق وتعزيز دوره الثقافي والاقتصادي، يمكن اقتراح عدة مسارات:
توثيق المزمار كأحد عناصر التراث اللامادي في مصر.
إدماجه في مناهج الفنون والموسيقى الشعبية في المدارس والمعاهد المتخصصة.
دعم العازفين من خلال اتحادات أو نقابات تضمن حقوقهم.
تنظيم مهرجانات دورية للمزمار وفنون التحطيب في محافظات الجنوب.
تسويقه سياحيًا ضمن برامج العروض الثقافية المقدمة للأجانب.
مرآة الصعيد ووعاء الفن الشعبي.
المزمار البلدي الصعيدي ليس فقط صوتًا شعبيًا يصدح في مناسبات الفرح، بل هو مرآة لروح الجنوب، ووعاء لذاكرة قرى صعيد مصر. إن إنقاذ هذا الفن من النسيان ليس مجرّد حفاظ على تراث، بل هو استثمار في هوية حية، يمكن أن تُعيد تشكيل مشهد السياحة الثقافية والتنمية الإبداعية في جنوب مصر.

إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر