كتب – أحمد زكي : في أجواء امتزج فيها الإيمان بالفرحة الشعبية، ودّعت مدينة نجع حمادي شمالي محافظة قنا، فوجًا جديدًا من حجاج الجمعيات الأهلية، إيذانًا بانطلاق موسم الحج لعام 1446 هـ / 2025 م، وسط تنظيم محكم واستعدادات رسمية وشعبية تؤكد تطور التجربة المصرية في إدارة أحد أقدم أشكال السياحة الدينية في العالم.
وداع تقليدي بنكهة صعيدية
في ساحة واسعة قرب مقر الوحدة المحلية، توافد المئات من الأهالي منذ ساعات الفجر لتوديع أقاربهم، بينما علت أصوات الزغاريد والأهازيج التقليدية. رجال يرتدون الجلابيب البيضاء، ونساء يوزعن الحلوى على الأطفال، في طقس اجتماعي يكاد يُشبه طقوس الأفراح. تقول الحاجة “زينب عبد الموجود”، والدة أحد الحجاج،”هذه فرحة العُمر… الحجة واجبة، لكن الفرحة فيها زي ما تكون بنجوز العيال”.
مدينة نجع حمادي، بما تمثله من مركز تجاري وسكاني حيوي شمالي محافظة قنا، باتت محطة مركزية لتجميع الحجاج من عدة قرى ونجوع مجاورة، قبل نقلهم إلى المطارات عبر حافلات مخصصة بإشراف وزارة التضامن الاجتماعي. هذا التنظيم جعل تجربة الحج أكثر أمنًا وانسيابية، مقارنة بالسنوات الماضية التي كانت تشهد ارتباكًا وتداخلًا في المسؤوليات.
الجمعيات الأهلية_ دور محوري في التنظيم
وفقًا لتصريحات مسؤول بمديرية التضامن الاجتماعي بقنا، بلغ عدد الحجاج التابعين للجمعيات الأهلية بمركز نجع حمادي هذا العام 135 حاجًا، تم اختيارهم عبر قرعة علنية إلكترونية، ضمن نظام موحّد يستهدف الشفافية وتكافؤ الفرص.
الجمعيات الأهلية لم تكتفِ بدورها التقليدي في التوثيق الإداري، بل نظّمت ورش عمل لتدريب الحجاج على مناسك الحج، وتوزيع كتيّبات توعوية، بالتعاون مع وزارة الأوقاف. ويضيف المصد، “هناك وعي متزايد بأهمية الاستعداد النفسي والفقهي للحج، وليس فقط الإجراءات الورقية”.
تقاليد الحجاج في صعيد مصر طقوس ما قبل السفر
اللافت في نجع حمادي أن السفر إلى الأراضي المقدسة ما زال يُعد حدثًا قرويًا مجتمعيًا، لا يخص الفرد وحده. إذ تتجلى الطقوس الشعبية في وداع الحجاج، مثل ذبح الأضاحي قبل المغادرة، وإقامة سرادقات ليلية للمديح النبوي، وإشعال الشموع في المقامات، وأشهرها مقام سيدي عبد الرحيم القنائي في قنا، الذي يزوره الحجاج طلبًا للبركة قبل سفرهم.
كما لا تزال عادة “رسم الجدران” قائمة في بعض القرى، حيث يقوم أهل الحاج برسم طائرة وسفينة وجِمال وشعارات الكعبة على جدران منزله، إضافة إلى كتابة الآيات القرآنية وعبارات مثل “حج مبرور وذنب مغفور”. هذه الرسومات، التي تُعد امتدادًا للفن الشعبي الريفي، تمثل شكلًا بدائيًا من الجرافيتي المعاصر، وتجذب الباحثين في الثقافة البصرية الريفية.
الحج كأحد أنماط السياحة الدينية
يُعتبر موسم الحج من أقدم وأهم أنماط السياحة الدينية التي تحتضنها مصر وتصدرها إلى الخارج. إذ لا يقتصر الحج على البعد الديني فقط، بل يتحول إلى رحلة مجتمعية، تمتد من لحظة التجهيز وحتى العودة، وتدخل في نسيج الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ويؤكد الدكتور أحمد الهواري، الباحث في الأنثروبولوجيا الثقافية، أن الحج عند أهالي صعيد مصر ليس فقط عبادة، بل هو معبر للتحول الرمزي في حياة الفرد، وعلامة على الوجاهة المجتمعية والبركة، وهو ما يُفسر الطقوس المصاحبة له”.
استعدادات الدولة لموسم الحج: تطور نوعي في الخدمات
هذا العام، اتسمت الاستعدادات الحكومية بقدر كبير من التخطيط الرقمي والخدمات المتكاملة، تمثلت في إطلاق منصة الحج الموحد لتسهيل الإجراءات إلكترونيًا.
تخصيص فرق طبية متكاملة ضمن البعثة الرسمية.
التنسيق بين وزارات التضامن، والصحة، والطيران، والداخلية، لتيسير النقل والإقامة.
تزويد الحجاج بأساور إلكترونية لتحديد الهوية والموقع.
كما أشرفت وزارة الأوقاف على تدريب الوعاظ المرافقين، لضمان الفهم السليم للمناسك، وتجنب الفتاوى العشوائية.
تحديات لا تزال قائمة.
رغم التحسن الملحوظ، إلا أن هناك بعض التحديات التي رصدها التقرير ميدانيًا، من بينها، ضعف التواصل بين الجمعيات الأهلية والجهات المركزية في بعض الأحيان.
قلة المعلومات التفصيلية المتوفرة للحجاج كبار السن.
الحاجة إلى المزيد من وسائل النقل المبردة نظرًا للحرارة المرتفعة.
إن انتهاء تفويج حجاج الجمعيات من نجع حمادي ليس مجرد خبر موسمي، بل مرآة لمجتمع يحتفي بروحانيته، ويتمسك بتقاليده، بينما يخطو نحو التحديث والتنظيم. ومع تصاعد أهمية السياحة الدينية كقطاع حيوي، تبرز أهمية الاستثمار في هذا النمط الروحي، الذي يجمع بين الإيمان والثقافة والسفر، في تجربة مصرية تستحق التوثيق.



إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر