كتب – أحمد زكي : رغم ما تمتلكه مصر من مقومات دينية وتاريخية فريدة تجعلها في مصافّ الدول المؤهلة للريادة في مجال السياحة الدينية، إلا أن هذا النوع من السياحة لا يزال يعاني من ضعف الترويج وقلة الاستثمار مقارنة بأنواع أخرى كالسياحة الشاطئية أو الثقافية. يستعرض هذا التحقيق واقع السياحة الدينية في مصر، ويتقصى فرص الاستثمار فيها، والعقبات التي تقف أمام تحويلها إلى رافد اقتصادي قوي.
السياحة الدينية في مصر ميراث سماوي وتاريخي.
تتمتع مصر بتراث ديني ثري، إذ تعد نقطة التقاء الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام.
من جبل الطور حيث تجلى الله للنبي موسى، إلى كنيسة أبي سرجة التي احتمت بها العائلة المقدسة، وصولًا إلى مسجد الإمام الحسين وبيت السيدة زينب ومساجد أولياء الله الصالحين، تشكّل مصر خريطة روحية متكاملة، تمتد من شمال البلاد إلى جنوبها.
ويقول الدكتور عبد الرحيم ريحان، خبير الآثار الإسلامية والمسيحية، في تصريح خاص، “مصر هي الدولة الوحيدة التي زارتها العائلة المقدسة ومكثت بها أكثر من ثلاث سنوات. هذا يمنحها مكانة روحية فريدة بين شعوب العالم، لكن الاستثمار في هذا المسار لا يزال ضعيفًا.”
عوائق الاستثمار واقع مُقيّد بإمكانات محدودة.
رغم إعلان الحكومة المصرية عن مشروع “مسار العائلة المقدسة” كمبادرة قومية لتنشيط السياحة الدينية، إلا أن التنفيذ الفعلي على الأرض يواجه عدة تحديات، أبرزها:
ضعف البنية التحتية في المناطق الأثرية والدينية، خصوصًا في دلتا مصر.
غياب الترويج الدولي الممنهج لهذا النمط من السياحة.
نقص الكوادر المتخصصة في الإرشاد الديني متعدد اللغات.
تداخل صلاحيات الجهات الحكومية ما بين وزارات السياحة والآثار والأوقاف، مما يؤدي إلى بطء الإجراءات.
ويؤكد أحد المستثمرين في مجال السياحة الدينية، رفض ذكر اسمه، أن “هناك تعقيدًا في استخراج التصاريح اللازمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بترميم موقع ديني تابع لوزارة الأوقاف أو الكنيسة”.
رحلات إيمانية لا تجد من يرعاها.
في محافظة المنيا، يتوافد الزوار من إيطاليا وألمانيا لزيارة “جبل الطير”، أحد أهم نقاط مسار العائلة المقدسة.
تقول المرشدة السياحية ماريان حليم، “هؤلاء الزوار يأتون بدافع روحي خالص، لكنهم يصطدمون بسوء الخدمات وغياب لوحات الإرشاد السياحي، حتى أنهم أحيانًا لا يجدون مرشدًا يتحدث لغتهم.”
من ناحية أخرى، تشهد مقامات أهل البيت في القاهرة زحامًا هائلًا، خاصة في موسم المولد النبوي أو عاشوراء، حيث تستقبل المدينة الآلاف من الزوار من دول مثل العراق، إيران، السودان، ولبنان، لكن هذه الحركة لا يتم إدراجها في تقارير وزارة السياحة، ما يُفقدها قيمتها الاقتصادية والإحصائية.
كيف نجحت إيران والمغرب في استثمار السياحة الدينية؟
إيران تخصص رحلات دينية منظمة إلى مشهد وقم وتربطها بشبكة خدمات فندقية عالية الجودة.
المغرب تقدم عروضًا سياحية تجمع بين زيارة الأضرحة والتصوف والفن الإسلامي، وتسوقها عبر معارض دولية.
السعودية أعادت هيكلة “سياحة العمرة” عبر باقات متدرجة، وشركات مرخصة، وربطتها بأنشطة ثقافية.
هذه التجارب تُبرز كيف يمكن للدولة أن تجعل من الرحلة الروحية تجربة اقتصادية متكاملة.
فرص الاستثمار ما الذي يمكن فعله؟
يرى خبراء السياحة أن الاستثمار في السياحة الدينية لا يعني فقط ترميم المساجد أو الكنائس، بل:
إنشاء فنادق متوسطة التكلفة بالقرب من المواقع الدينية.
تنظيم مهرجانات سنوية دينية وثقافية.
إصدار أدلة سياحية إلكترونية بلغات متعددة.
تدريب مرشدين متخصصين في السياحة الروحية.
دمج المسارات الدينية مع برامج السياحة الثقافية.
ويضيف الدكتور هشام زعزوع، وزير السياحة الأسبق، أن، “الطلب العالمي على السياحة الروحية في تزايد، وإذا لم نستثمر هذا القطاع الآن، سنفقد فرصة ذهبية لسنوات قادمة.”
السياحة الدينية رغم انها روحانية تبقي مطلب اقتصادي قوي.
إن استثمار السياحة الدينية في مصر ليس ترفًا بل ضرورة اقتصادية وثقافية، تتطلب تنسيقًا حكوميًا فعالًا، وتسهيلات إدارية، ورؤية تسويقية متكاملة.
ولا بد من إشراك القطاع الخاص والمجتمع المحلي في هذا المشروع، لضمان استدامته وتأصيله داخل الهوية المصرية.
في زمن تتغير فيه أولويات السياحة العالمية، يبقى للمقصد الروحي صداه الخاص فهل تعي مصر أن كنوزها السماوية لا تقل بريقًا عن شواطئها الذهبية؟

إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر