كتب – أحمد زكي : في خطوة تُنذر بإعادة تشكيل المشهد الأمني العالمي، كشفت الولايات المتحدة عن مشروع دفاعي فضائي ضخم تحت مسمى “القبة الذهبية”، يستهدف التصدي لتهديدات متقدمة مثل الصواريخ الفرط صوتية والأسلحة المدارية. إلا أن هذا المشروع الطموح، بتكلفة مبدئية تبلغ 175 مليار دولار، يثير موجة من الجدل حول مخاطره التقنية وتداعياته الاستراتيجية المحتملة، خاصة مع تحذيرات من تصعيد سباق تسلح فضائي جديد.
مشروع فضائي ضخم وتحذيرات من عواقب إستراتيجية
أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن خطة استراتيجية لإنشاء منظومة دفاعية متطورة مضادة للصواريخ تحت عنوان “القبة الذهبية”، تتجاوز طبيعتها المفهوم التقليدي للدفاع الأرضي، وتركز على الاعتماد على الفضاء كمنصة للردع والحماية. ووفق التقديرات الأولية، فإن الكلفة الأساسية للمشروع تبلغ 175 مليار دولار، مع تحذيرات من أن التكاليف الفعلية قد ترتفع بشكل كبير على مدى العقدين القادمين، لتصل إلى أكثر من 500 مليار دولار، بحسب مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي.
دفاع من الفضاء أم مقدّمة لسباق تسلح عالمي؟
تهدف المنظومة إلى مواجهة تهديدات متصاعدة مثل الصواريخ الفرط صوتية والهجمات من المدار الأرضي، وذلك عبر شبكة فضائية معقدة تضم آلاف الأقمار الصناعية مزودة بأحدث تقنيات الاستشعار، وأسلحة تعتمد على أشعة الليزر لاعتراض الصواريخ في مراحل طيرانها المختلفة.
ورغم أن الاسم مستوحى من منظومة “القبة الحديدية” الإسرائيلية، فإن المشروع الأميركي يتجاوز بكثير قدرات الدفاعات التقليدية، ويعتمد على تكنولوجيا لم تكتمل بعد، مما يثير تساؤلات حول جدوى المشروع في ظل تحديات تقنية غير محسومة.
الفضاء كساحة مواجهة جديدة.
الباحثة جوليا كورنيور، من برنامج الأمن الدولي في معهد “تشاتام هاوس”، تشير إلى أن الطموحات الأميركية تثير قلقاً متزايداً لدى خصومها الإستراتيجيين، خصوصاً روسيا والصين، اللتين تعتبران “القبة الذهبية” تهديداً مباشراً لمعادلة الردع النووي، التي شكّلت منذ عقود ركيزة الاستقرار الدولي.
وقد عبّرت موسكو وبكين عن رفضهما للمشروع، ووصفتاه بأنه “مزعزع للاستقرار”، محذرتين من إمكانية الرد بتطوير أنظمة هجومية فضائية متقدمة، في غياب اتفاقات دولية تنظم استخدام الفضاء لأغراض عسكرية.
أزمة ضبط التسلح وغياب القواعد الدولية.
يأتي هذا التصعيد في وقت تتآكل فيه البنية القانونية لضبط التسلح النووي. فمعاهدة “ستارت الجديدة”، التي حدّت من الترسانات النووية الأميركية والروسية، معلقة حالياً، ومن المتوقع أن تنتهي صلاحيتها بحلول عام 2026 دون بديل واضح. كذلك، توقفت المحادثات الثنائية بين واشنطن وبكين بشأن الأسلحة الاستراتيجية، في ظل توترات متزايدة حول تايوان وأمن المحيطين الهادئ والهندي.
بين الضرورة الدفاعية والتكلفة الاقتصادية.
رغم إعلان المشروع كضرورة للأمن القومي الأميركي، إلا أن الخبراء يحذرون من أن توجيه استثمارات ضخمة نحوه قد يؤثر سلباً على أولويات دفاعية أخرى مثل الدفاعات السيبرانية، والتصدي للطائرات المسيّرة، وتعزيز نظم الردع الإقليمية الأكثر قابلية للتنفيذ.
وفيما لا تمتلك الولايات المتحدة بعد الإمكانيات الكاملة لاعتراض الصواريخ الفرط صوتية في الفضاء، يتطلب المشروع تطوير أنظمة جديدة بالكامل، تشمل صواريخ اعتراضية عالية الدقة، وتقنيات ليزر متقدمة، مما يضيف طبقات من التعقيد المالي والتقني.
العودة إلى “حرب النجوم”؟
يُعيد هذا المشروع إلى الأذهان مبادرة “الدفاع الإستراتيجي” في ثمانينيات القرن العشرين، المعروفة إعلاميًا بـ”حرب النجوم”، والتي أثارت آنذاك انتقادات حادة بسبب كلفتها المرتفعة وعدم فعاليتها، وساهمت في تصعيد التوترات بين القوتين العظميين خلال الحرب الباردة.
الحاجة إلى حوكمة الفضاء قبل فوات الأوان.
يرى مراقبون أن أمن الفضاء يجب أن يكون محوراً لحوار إستراتيجي شامل بين القوى الكبرى، يشمل تبادل الإخطارات، وتنظيم القدرات ذات الاستخدام المزدوج، ووضع آليات لضبط التسلح الفضائي.
وفي هذا السياق، يمكن أن يتحول مشروع “القبة الذهبية” إلى فرصة دبلوماسية لإطلاق مسار تفاوضي جديد يضع قواعد دولية لاستغلال الفضاء، بدلاً من الدخول في سباق تسلح جديد قد يفاقم انعدام الاستقرار ويهدد الأمن العالمي.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر