كتب – أحمد زكي : رغم أنها ليست عاصمة إدارية كقنا، ولا مدينة سياحية مثل الأقصر، تشهد مدينة نجع حمادي شمالي محافظة قنا واحدة من أشد أزمات الإسكان حدة في صعيد مصر. فالإيجارات وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وطلبات “التنازل” – وهي مبالغ مالية تُدفع بشكل غير رسمي قبل استلام الشقة – تجاوزت 200 ألف جنيه في بعض المناطق، ما خلق واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا مشحونًا، دفع كثيرين لوصف المدينة بـ”المغلقة على ذاتها” والفاقدة لأبسط فرص التوسع العمراني.
أرقام لا يصدقها عقل من الإيجار إلى التنازل.
في أحياء متوسطة مثل “شارع بورسعيد”، و”السويقة”، و”شارع 15″، لا يقل إيجار الشقة متوسطة المساحة عن 2500 إلى 4000 جنيه شهريًا، بينما يُطلب من المستأجرين دفع مبلغ تنازل يتراوح بين 70 إلى 150 ألف جنيه، وقد يصل إلى 200 ألف جنيه في بعض العقارات الحديثة.
يقول “محمود عبدالغفار”، موظف بشركة كهرباء قنا،أنا وأخويا بندور بقالنا سنة على شقة إيجار، بس كل ما نروح مكان، نلاقي التنازل أغلى من مقدم شقة تمليك في قرية قريبة… الناس بتتاجر في السكن كأنه ذهب”.
مدينة مغلقة على ذاتها.
في حديث مع أحد مسؤولي مجلس مدينة نجع حمادي (طلب عدم ذكر اسمه)، أشار إلى أن السبب الرئيسي للأزمة يكمن في الطبيعة الجغرافية المحدودة للمدينة، حيث قال،نجع حمادي محاصرة من جميع الجهات من الشرق نهر النيل والسكة الحديد، ومن الغرب الطريق الصحراوي وأراضٍ زراعية محمية، ولا توجد مخططات توسع معتمدة حتى الآن.
وأضاف،المدينة فعليًا مغلقة على ذاتها، وده بيزود الطلب على السكن داخل حدود ضيقة، فبتزيد الأسعار… ولا ننسى أن كثير من الشقق تُؤجر للعاملين بالمصانع، خصوصًا مصنع الألومنيوم.
نجع حمادي ليست فقيرة لكنها مخنوقة.
نجع حمادي ليست مدينة نائية أو محدودة الموارد. بل إنها من أبرز المراكز الصناعية بصعيد مصر، وتضم مصنع السكر، من أقدم المصانع في مصر، ويعمل به آلاف العمال.
مجمع الألومنيوم،أحد أكبر المصانع الاستراتيجية في مصر والشرق الأوسط، ويضم قرابة 12 ألف عامل.
مركز خدمي كبير، يخدم عشرات القرى التابعة له، كما يُعد محطة انتقال بين قنا وسوهاج، مما يعزز الطلب على السكن.
كما أن نسبة كبيرة من أبناء المدينة يعملون بالخليج وأوروبا، ويعودون باستثمارات في العقارات، مما ساهم في تضخم الأسعار نتيجة الطلب المتزايد وندرة العرض.
الوجه الآخر شباب لا يجدون مأوى.
يُجمع السكان على أن أزمة الإسكان في نجع حمادي أفرزت واقعًا اجتماعيًا مأساويًا، حيث بات الزواج حلمًا مؤجلاً للشباب، أو مشروطًا بتضحيات مادية هائلة من الأهل.
تقول “سمر محمد”، خريجة جامعية تبلغ من العمر 29 عامًا،أنا مخطوبة بقالنا سنتين ولسه بنقلب في الشقق. لما نلاقي واحدة مناسبة، يطلبوا 100 ألف تنازل، غير الإيجار اللي بيبدأ من 3000 جنيه. حتى برامج الإسكان مفيهاش اسم نجع حمادي.
من جانبه، يحذر “د. عبد العال شرف”، أستاذ علم الاجتماع بجامعة جنوب الوادي، من أن هذا الواقع يهدد بـ”تصاعد معدلات العنوسة والهجرة الداخلية والخارجية، وازدياد التوتر الطبقي داخل المجتمع الصعيدي.
غياب التخطيط العمراني والحلول الممكنة.
رغم وضوح الأزمة، لا توجد حتى الآن مشاريع إسكان كبرى فعّالة داخل نجع حمادي، ولا توسعات حقيقية على الأرض. وفي الوقت الذي تُطرح فيه مبادرات حكومية في مدن أخرى، يشتكي السكان من تجاهل واضح لاحتياجاتهم.
ويقترح مهندسون وخبراء التخطيط العمراني فتح توسعات جديدة على النحو التالي،غرب المدينة على الطريق الصحراوي الغربي، بعد إعادة تخصيص بعض الأراضي المحيطة.
شمالًا نحو قرى “بهجورة” و”الشيخ حسين”: حيث يمكن إقامة تجمعات سكنية جديدة بخدمات مخططة.
إحياء مشروع الإسكان الاجتماعي المتوقف: الذي لم يتم تنفيذه منذ عام 2017 رغم تخصيص أراضٍ له.
مدينة الفرص تختنق بقيود الجغرافيا والتجاهل.
تختزل أزمة العقارات في نجع حمادي مفارقة مؤلمة: مدينة صناعية مزدهرة لكنها عاجزة عن تأمين سكن كريم لأبنائها.
وفي ظل استمرار تجاهل الأزمة، وغياب أي رؤية واضحة للتوسع أو توفير بدائل سكنية، تظل المدينة مشتعلة بأسعارها، ويظل سكانها – خاصة الشباب – عالقين بين الحلم والواقع.
فهل تتحرك الدولة لإنقاذ نجع حمادي قبل أن تنفجر الأزمة على نطاق أوسع؟
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر