كتب – أحمد زكي : في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة، تبقى القهوة العربية لحظة تأمل، ومرآة لتراث ثقافي أصيل، ووجهًا من وجوه السياحة الثقافية في الشرق الأوسط. ليست مجرد مشروب ساخن، بل نافذة تطل على قرون من التقاليد، والضيافة، والعادات التي نسجت هوية المجتمعات العربية. من الجبال الإثيوبية إلى المجالس الخليجية، ومن صوامع المتصوفة إلى فنادق الخمس نجوم، تسافر القهوة عبر الزمان والمكان حاملة في كل رشفة عبق التاريخ وسحر المكان.
من إثيوبيا إلى اليمن بداية الأسطورة.
تبدأ حكاية القهوة العربية في مرتفعات إثيوبيا، حيث يُروى أن راعي الماعز “كالدي” لاحظ نشاطًا غير معتاد في قطيعه بعد تناوله لحبات نبات غريب. من هناك، انتقلت زراعة البن إلى اليمن في القرن الخامس عشر، وتحديدًا في مدينة المخا، التي تحولت لاحقًا إلى ميناء عالمي لتصدير البن، وخرج منها مصطلح “موكا” الذي ارتبط بالقهوة العالمية حتى اليوم.
وفي اليمن، لم تكن القهوة مشروبًا عاديًا، بل رفيقًا روحيًا للمتصوفة، يستخدمونه للبقاء مستيقظين في ليالي الذكر والتأمل. ومن هناك، بدأت رحلتها الكبرى إلى قلب الجزيرة العربية، فدخلت البيوت والمجالس والمساجد، وأصبحت جزءًا من الحياة اليومية.
مكة والمدينةأول المقاهي ونقطة الانطلاق.
مع حلول القرن الخامس عشر، ظهرت أولى المقاهي في مكة والمدينة المنورة، لتصبح القهوة عنصرًا ثابتًا في الحياة الاجتماعية للحجاج والتجار والعلماء. هذا التلاقي الروحي والإنساني بين الشعوب في موسم الحج ساهم في نقل القهوة إلى بلاد الشام ومصر، ثم إلى أوروبا عبر القوافل والتجارة العثمانية.
القهوة كرمز للضيافة.
لم تعد القهوة مجرد مشروب منبه، بل أصبحت طقسًا اجتماعيًا له قواعده وآدابه. في الثقافة الخليجية، تُقدّم القهوة العربية في “الدلّة” وتُسكب في فناجين صغيرة دون مقبض، غالبًا مع الهيل وأحيانًا الزعفران، مصحوبة بالتمر. تقديم القهوة في بداية اللقاء دليل على حسن الضيافة، ورفضها في بعض السياقات قد يكون له دلالات اجتماعية دقيقة.
وفي المناطق البدوية، ترتبط القهوة بمدلول الكرم والشهامة، حيث تبدأ بطقوس الطحن والتحميص أمام الضيوف، في مشهد غني بالإيحاءات الثقافية، يشكّل اليوم مادة جذب للسياحة التراثية في عدة دول عربية مثل السعودية، والإمارات، وسلطنة عمان، وحتى مناطق من صعيد مصر.
القهوة والسياحة الثقافية.
في العقود الأخيرة، أدركت الدول العربية قيمة القهوة كتراث لا مادي، فسجلتها السعودية ودول الخليج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. كما أن مهرجانات القهوة العربية، مثل “مهرجان البن الخولاني” بجازان، و”أسبوع القهوة السعودية”، أصبحت مقاصد سياحية بامتياز، تستقطب الزوار المحليين والأجانب، وتفتح الأبواب أمام اكتشاف تاريخ القهوة، وأصنافها، وأدواتها التقليدية.
وفي الفنادق والمنتجعات، بات مشهد تقديم القهوة العربية في استقبال الزوار عنصرًا من عناصر الهوية الثقافية وتجربة السائح. بل إن بعض شركات السياحة تنظم جولات خاصة لتجربة تحضير القهوة بالطريقة البدوية، أو المشاركة في مهرجاناتها، كجزء من السياحة التراثية الأصيلة.
من الفنجان إلى العالم.
في القرن السابع عشر، شقت القهوة العربية طريقها إلى أوروبا، وأصبحت باريس، وفيينا، ولندن، وجهات لمقاهي جديدة أُطلق عليها “بيوت القهوة”، فانتشرت ثقافة هذا المشروب في كل مكان، دون أن تفقد القهوة العربية أصالتها، ولا فنون تقديمها، ولا رمزية حضورها في البيوت العربية حتى اليوم.
القهوة اليوم تراث حي ومتجدد.
لا تزال القهوة العربية حتى اليوم أحد أبرز مظاهر الضيافة، وركنًا من أركان الهوية الثقافية. في المجالس والمناسبات، في الأعراس والعزاء، وحتى في اللقاءات الدبلوماسية، تظل القهوة علامة فارقة. كما أنها عنصر جذب سياحي لا يمكن تجاهله، خاصة في ظل التوجه العالمي نحو “السياحة الأصيلة” التي تبحث عن التجارب الثقافية الفريدة.
فهل تفضل قهوتك مع الهيل، أم سادة كما يشربها أهل الجنوب؟ في كل الأحوال، الفنجان ليس مجرد شراب… بل حكاية، وتراث، ودعوة مفتوحة لاكتشاف عالم عربي زاخر بالنكهات والضيافة والتاريخ.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر