كتب – أحمد زكي : حين تتجول وزيرة خارجية النمسا في قلب القاهرة دون بروتوكول صارم، وتختار أن تقف خلف “الكاشير” في مطعم شعبي لتشارك الزبائن تعبئة أطباق الكشري، فإن الحدث يتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية ليلامس روح الثقافة الشعبية المصرية في أحد أبرز رموزها: طبق الكشري. زيارة بيتي ماينل، وزيرة خارجية النمسا، برفقة السفير النمساوي بالقاهرة، إلى مطعم “أبو طارق” الشهير في وسط العاصمة، لم تكن مجرد محطة لتناول وجبة شعبية، بل كانت رسالة سياحية وإنسانية وسياسية ناعمة… مشبعة بنكهة العدس والبصل المقرمش.
زيارة غير بروتوكوليةبروح مصرية خالصة
في قلب القاهرة، وتحديدًا بمنطقة شامبليون وسط الزحام والمباني التراثية، وقف عدد من المواطنين مندهشين وهم يشاهدون وزيرة خارجية النمسا تبتسم أمام عدسة هاتف محمول، وتمسك ملعقة معدنية لتساعد الطهاة في مطعم “أبو طارق” الشهير بتجهيز أطباق الكشري للزبائن. ظهرت الوزيرة ترتدي ملابس بسيطة وتبدو مألوفة وسط روّاد المكان، وكأنها زائرة من أهل الحي، لا مسؤولة سياسية بارزة تمثل إحدى دول الاتحاد الأوروبي.
رافقها في هذه الزيارة السفير النمساوي في القاهرة، الذي بدا هو الآخر منبهرًا بالأجواء المصرية العامرة بالبساطة والدفء، وأكد في تصريحات سريعة على هامش الزيارة أن الكشري “ليس فقط طبقًا لذيذًا، بل تجربة اجتماعية متكاملة تستحق التقدير والتوثيق”.
من وجبة الفقراء إلى مسرح للدبلوماسية الناعمة
لم يكن اختيار “أبو طارق” عشوائيًا، فالمطعم الذي تأسس منذ أكثر من 60 عامًا أصبح علامة تجارية سياحية عالمية لطبق الكشري المصري، ووجهة مفضلة للسياح من مختلف الجنسيات. ومثلما زاره من قبل نجوم فن وسياسة، ها هي وزيرة الخارجية النمساوية تسير على نفس الدرب، في زيارة عفوية لا تحتاج إلى كلمات كثيرة بقدر ما تعبر عنها اللقطات والصور المنتشرة على مواقع التواصل.
وبحسب مصادر قريبة من إدارة المطعم، فإن الوزيرة طلبت الاطلاع على مراحل إعداد الكشري، وتذوقت مكوناته واحدًا تلو الآخر، قبل أن تصف الطعم بـ”المنعش والمميز”، وأضافت مازحة ،هذا طبق يستحق أن يُدرّس في معاهد الطهي الأوروبية!”
رسائل ثقافية وسياحية عميقة
زيارة من هذا النوع لا تندرج فقط في إطار المجاملات الدبلوماسية، بل تنطوي على دلالات رمزية عميقة، أبرزها
1. إعادة تعريف الهوية السياحية المصرية، من خلال المزج بين الأصالة الشعبية والبعد الإنساني.
2. الترويج غير المباشر للثقافة المصرية من خلال الطعام كأداة تواصل عابر للغات.
3. تأكيد الجاذبية العالمية للمطبخ المصري، وقدرته على المنافسة في سياحة الطعام (Food Tourism).
4. دعم السياحة الشعبية والتقليدية، بعيدًا عن المسارات النمطية المعتادة.
يقول الخبير السياحي د. حسام الجندي ،زيارة شخصية بهذا المستوى إلى مطعم شعبي تكشف عن تحول في نظرة الدبلوماسيين إلى قوة الثقافة الناعمة، حيث لم تعد السفارات تروّج فقط للآثار والفنادق، بل باتت تولي اهتمامًا لما تمثله الحياة اليومية من عمق وتاريخ.
ردود الفعل المحلية والعالمية
لم تمر الزيارة دون تفاعل جماهيري واسع؛ فقد عجّت منصات التواصل الاجتماعي بصور الوزيرة وهي تساعد في “تعبئة الكشري”، وانهالت التعليقات التي تراوحت بين الإعجاب والدهشة والفخر.
كما تناولت وسائل إعلام نمساوية وأوروبية الزيارة بنبرة إشادة، ووصفتها بأنها نموذج للدبلوماسية الإنسانية والاقتراب من ثقافات الشعوب عبر أكثر الوسائل صدقًا وبساطة: الطعام.
“الكشري” كنموذج لقوة مصر الناعمة
ربما لا يدرك الكثير من السياح أن للكشري تاريخًا طويلًا يعكس التعدد الثقافي في مصر، حيث تداخلت فيه المكونات الهندية (الأرز والعدس)، والإيطالية (المكرونة)، والمصرية (البصل والصلصة)، ليخرج في النهاية بهويته الخاصة كطبق شعبي تتلاقى فيه حضارات مختلفة. لذا، فإن زيارة مسؤول دولي لتجربة الكشري في موطنه الأصلي، تعيد الاعتبار للثقافة الغذائية كجزء لا يتجزأ من المشهد السياحي والتاريخي المصري.
دبلوماسية بنكهة عدس ومكرونة
ليست كل الزيارات الرسمية تحتاج إلى موكب سيارات ولا سجادة حمراء، أحيانًا تكفي ابتسامة، وطبق كشري، ومشاركة حقيقية مع الناس.
زيارة بيتي ماينل لـ”أبو طارق” ليست فقط حدثًا طريفًا أو لقطة إعلامية، بل هي نموذج مصغر لما يمكن أن تُحدثه “السياحة البسيطة” من تأثير حقيقي في إعادة تعريف العلاقات بين الشعوب، وتقديم صورة مصر الحضارية من قلب شوارعها ومطاعمها، بشهية مفتوحة وروح صادقة.










إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر