كتب – أحمد رزق : بعد ستة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، خلال ديسمبر 2024، تحاول الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشّرع إرسال إشارات تطمين إلى السوريين المنهكين من الفقر والأزمات. ففي الـ21 من يونيو 2025، وقّع الرئيس مرسوماً يقضي بزيادة رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين بنسبة 200%، ليرتفع الحد الأدنى للأجور من نحو 250 ألف ليرة سورية (25 دولاراً) إلى 750 ألف ليرة (حوالي 75 دولاراً).
هذه الخطوة، التي ترافقت مع إصلاحات داخل الوزارات لإلغاء قرابة 400 ألف موظف وهمي، ينظر إليها كثيرون بوصفها محاولة لتخفيف عبء الفقر الذي ينهش أغلبية السكان، إذ يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر بحسب تقديرات الأمم المتحدة، بينما وصل معدل الفقر المدقع إلى نحو 66% مقارنة بـ11% فقط قبل الحرب.
تقول مصادر حكومية إن الزيادة جاءت بعد إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات الحكومية لمكافحة الفساد وتحسين الكفاءة. ويعتبر إلغاء ما يُعرف بـ«الأسماء الوهمية» خطوة مهمة لخفض الهدر الذي كان سمة أساسية في عهد النظام السابق. كما ترى الحكومة الانتقالية أن هذه الزيادة قد تمنحها شرعية وشعبية أكبر وسط مرحلة سياسية حرجة.
تمويل هذه الزيادات لا يزال يثير تساؤلات كثيرة. فوفقاً لتصريحات وزير المالية محمد برنية، ستسهم قطر بنحو 29 مليون دولار شهرياً لمدة ثلاثة أشهر لتغطية جزء من الرواتب في قطاعات الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية والمعاشات غير العسكرية. كما تعتمد الحكومة على تحرير أصول سورية مجمّدة في الخارج، إلى جانب أملها في جذب استثمارات أجنبية جديدة ودعم دولي تحت إشراف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
لكن التحدي الأكبر يكمن في غياب قدرة حقيقية على تمويل طويل الأجل، في ظل استمرار العجز المزمن في الموازنة العامة وضعف القطاعات الإنتاجية.
مخاطر زيادة الرواتب بلا إنتاج حقيقي
يحذّر خبراء اقتصاد — بحسب ما ذكرته تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) — من أن أي زيادة كبيرة في الأجور داخل اقتصاد هش وضعيف الإنتاج قد تتحوّل إلى موجة تضخّم جديدة إذا لم تُرافقها إصلاحات هيكلية حقيقية في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
فتضخّم الكتلة النقدية دون زيادة موازية في السلع والخدمات يُفرّغ الزيادة من معناها، وهو ما ظهر بوضوح مع فقدان الليرة السورية نحو ثلثي قيمتها في عام واحد وارتفاع التضخّم الاستهلاكي إلى أكثر من 40% خلال 2024، بحسب (ESCWA).
كما حذّر تقرير (UNDP) من أنّ استمرار هذه الزيادات في ظل فجوة قائمة بين موظفي القطاع العام والعمال في القطاع الخاص قد يرفع أسعار الخدمات الأساسية ويزيد أعباء العائلات، خاصة أن النمو الحالي للاقتصاد السوري لا يتجاوز 1.3% سنوياً؛ ما يعني حاجة البلاد إلى عقود كاملة لاستعادة مستويات ما قبل النزاع إذا لم يتم تحفيز الاستثمار والإنتاج.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر