كتب – أحمد زكي : في عمق صعيد مصر، وتحديدًا في مدينة أبيدوس بمحافظة سوهاج، يقف حمّام الأوزوريون كتحفة معمارية غامضة تحاكي أساطير الخلق المصرية، وتُدهش العلماء والزائرين على حد سواء، بكونه مبنى مائيًّا فريدًا، شُيّد فوق ينابيع جوفية، ويحتضن بين أحجاره أسرارًا تتجاوز حدود الزمان والمكان.
يقع الأوزوريون خلف معبد الملك سيتي الأول، على عمق يصل إلى نحو 18 مترًا تحت سطح الأرض، وكأنه أراد أن يختبئ عن الأعين ليحافظ على قداسته المرتبطة بإله البعث والخلود، أوزير.
يُدخل الزائر من جهة الشمال عبر ممر ضيق لا يتجاوز عرضه 2.6 مترًا، لينتهي إلى حجرة استراحة صغيرة تتفرع منها ممرات تؤدي إلى قاعات مستطيلة، أهمها قاعة وسطى مهيبة تتوسطها جزيرة صخرية يحيط بها ممر مائي من الجانبين الشرقي والغربي، في محاكاة بديعة لـ”المحيط الأزلي” الذي تصفه المعتقدات المصرية القديمة بأنه أصل الوجود.
تُغمر قنوات الأوزوريون بالمياه حتى اليوم، وهو ما أثار جدلًا علميًا حول مصدر تلك المياه، حيث تُرجّح بعض الفرضيات أنها قادمة من ينابيع جوفية قديمة أو قناة فرعية للنيل كانت تمر أسفل معبد سيتي الأول، كما ورد في الجزء الثالث والعشرين من موسوعة “وصف مصر”. بينما تشير تفسيرات جيولوجية أخرى إلى أن المياه قد تكون نتيجة ارتداد المياه الجوفية بعد اصطدامها بالهضاب الصخرية غرب الأوزوريون. وهناك من يربط الأمر بتقلبات منسوب مياه نهر النيل عبر العصور.
ولعل من أبرز ما يثير الإعجاب في هذا البناء، استخدام كتل حجرية ضخمة، بعضها يزن أكثر من 100 طن، مما يدل على براعة المهندسين المصريين القدماء في النقل والبناء والتخطيط، خاصة في بيئة مائية تحت الأرض.
رؤية تعليمية وسياحية
يُعد الأوزوريون نموذجًا مثاليًا لدراسة العلاقة بين الفكر الديني والهندسة المائية في مصر القديمة، كما يفتح آفاقًا للبحث الجيولوجي حول مصادر المياه الجوفية في منطقة الصعيد. وبالنسبة للسياحة التعليمية، فإنه يمثل وجهة استثنائية لعشاق الآثار الغامضة، ومحبي الحضارات القديمة، والباحثين في علوم المياه والجيولوجيا.
رحلة في قلب الأسطورة والتكنولوجيا.
زيارة حمام الأوزوريون ليست مجرد جولة في ممرات فرعونية، بل هي رحلة في قلب الأسطورة والتكنولوجيا، حيث يلتقي السحر بالتخطيط العلمي الدقيق، وحيث تروي المياه الهادئة حكاية الحضارة التي علمت العالم كيف تكون الخلود.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر