كتب – أحمد زكي : تخيّلوا أنكم تمشون وسط غابةٍ عمرها آلاف السنين أشجار شامخة، ترتفع برهبةٍ كأنها تعانق السماء، وجذوعٌ حفرت عليها الأزمنة قصص حضارات مرّت من هنا واندثرت، فيما بقيت الأرزة واقفة .. شامخة خالدة. من قلب قضاء بشري، في شمال لبنان، تنبض غابة أرز الرب بجمال استثنائي وروحانية عميقة تجعل زيارتها ليست مجرد نزهة طبيعية، بل رحلة وجودية في صلب الهوية اللبنانية.
في بلدٍ صغير المساحة، لكنه عميق الجذور كأرزاته، تشكّل غابة “أرز الرب” واحدة من أبرز المعالم الطبيعية والثقافية التي لا ينبغي لأي زائر للبنان أن يفوّتها. تقع هذه الغابة في أعالي جبال قضاء بشري، على ارتفاع يزيد عن 2000 متر فوق سطح البحر، وتُعدّ من أقدم غابات الأرز في البلاد، حيث تحتوي على عشرات الأشجار المعمّرة التي يقدّر عمر بعضها بأكثر من ثلاثة آلاف عام.
هذه الغابة ليست مجرد مساحة خضراء؛ إنها متحف طبيعي حيّ، ومساحة تأمّل وسكون، وملاذ للروح الباحثة عن الجمال والدهشة. ولعلّ تسميتها بـ”أرز الرب” لم تأتِ من فراغ، بل لأن الأرزة هناك تبدو وكأنها ترتّل ترانيمها إلى السماء، وتختزن في أغصانها أسرار الزمن القديم.
في كل خطوة على الدرب الحجري الممهَّد وسط الغابة، تشعر بأنك في حضرة ما هو أسمى من الطبيعة؛ تشعر بخشوع غريب، كأنك تمشي في معبدٍ مفتوح على الأفق. الأصوات خافتة، الصمت عميق، والرائحة مزيجٌ من ترابٍ جبلي وأغصانٍ مباركة. وإن صادفت شجرة أرز ضخمة تحيطها الحواجز الخشبية، فاعلم أنك تقف أمام شجرة “أبونا يعقوب” أو “الملكة” أو “شجرة الحياة” – أسماء محلية أُطلقت على الأشجار الأكثر عراقة في الغابة، دلالة على قدسيّتها.
الغابة محمية رسمية، يديرها ويشرف على رعايتها “لجنة أصدقاء أرز الرب”، التي تبذل جهوداً حثيثة للحفاظ على التنوع البيولوجي، ومنع قطع الأشجار، وتنظيم الزيارات السياحية بما يضمن استدامة المكان. كما تقع على مقربة منها “محمية أرز الشوف” الأكبر في لبنان، مما يجعل المنطقة نقطة ارتكاز للسياحة البيئية والمسؤولية المجتمعية.
ويُذكر أن الأرزة اللبنانية ليست فقط رمزًا طبيعيًا، بل هي شعارٌ وطني بامتياز، محفور على العلم اللبناني، ومدوَّن في وجدان كل لبناني كرمز للثبات والعزة.
نصائح للزائرين.
أفضل وقت لزيارة الغابة هو خلال الربيع أو بداية الصيف حين تكون درجات الحرارة معتدلة والسماء صافية.
ارتدوا أحذية مريحة للمشي وتجنّبوا ترك النفايات.
يمكن التنسيق مع الأدلاء المحليين للاستفادة من جولات إرشادية تثقيفية داخل الغابة
تجربة لابد منها في لبنان
غابة أرز الربّ ليست مجرد مكان تراه العيون، بل تجربة يعيشها القلب قبل أن توثّقها الصور. إنها دعوة مفتوحة لكل من يعشق الجمال النقي، ويؤمن أن في الطبيعة قوة شفائية وذاكرة خالدة لا تموت. فإذا زرت لبنان ولم تمرّ ببشري لتتأمل أرزاتها، فكأنك لم ترَ من البلاد سوى نصفها.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر