كتب – أحمد زكي : تحول مسرح نجع حمادي إلى وجهة سياحية جديدة.. حين يتحول الجمال إلى لعنة في قرى الصعيد
في مشهد مسرحي نادر، ينبض بالإبداع المحلي وينهل من تراث الريف الصعيدي، شهد مسرح قصر ثقافة نجع حمادي عرضًا دراميًا استثنائيًا حمل عنوان “شلباية”، وهو العمل الذي أعاد صياغة مأساة شعبية منسية بلمسة فنية جريئة، حيث التقت الأسطورة بالواقع، والرمز بالحقيقة، على خشبة مسرح بات يشكل منارة ثقافية وسياحية في قلب صعيد مصر.
مسرح القيم والجمال… ومرآة المجتمع
العرض الذي قدمته فرقة قصر ثقافة نجع حمادي، وسط حضور جماهيري لافت، لم يكن مجرد عمل فني، بل تجربة ثقافية واجتماعية كاملة، تضيء جوانب مظلمة من الذاكرة الجمعية لقرى الجنوب، وتعيد فتح النقاش حول مفاهيم الجمال، والشرف، والقيم، من خلال حكاية درامية تسير بخفة وذكاء على حافة المأساة.
وأكد عبد اللاه أبو المجد أحمد، مدير قصر الثقافة، أن المسرح لا يزال أحد أهم روافد الثقافة الشعبية في الصعيد، حيث يُترجم القضايا المحلية إلى لغة الفن، مضيفًا أن “العرض يجسد التزام القصر بدوره في تشكيل وعي جماهيري يعيد الاعتبار للمسرح كأداة تثقيف وتنوير”.
من أسيوط إلى الخشبة_ القصة التي لا تموت
العمل مأخوذ عن قصة واقعية وقعت في إحدى قرى محافظة أسيوط عام 1910، كما أوضح المخرج محمد موسى، الذي كتب أشعاره وأخرجه برؤية متكاملة، مشيرًا إلى أن الكاتب بكري عبد الحميد استلهم الحدث التاريخي وصاغ منه نصًا شعبيًا نابضًا بالحياة.
وأضاف موسى: “ما جذبني في النص هو التكوين الدرامي الذي لا يهادن، والذي يتحدى الجمهور بأسئلته العميقة عن الحب، والشهوة، والخيانة، والجمال الذي ينقلب إلى قبح، حين يُفقد الإنسان توازنه الأخلاقي والاجتماعي.”
شلباية أيقونة الجمال المنكسر.
في قلب الحبكة، تتجلى “شلباية”، الشخصية الأنثوية المعقدة، التي جسدتها ببراعة الفنانة حنان بدر، حيث لعبت دور فتاة ريفية تعاني من القهر الأسري فتتمرد، وتقع ضحية الحب والانتقام والخذلان. تقول بدر: “شلباية ليست شريرة، بل ضحية. أردت أن أجعل الجمهور يتعاطف معها، حتى وهي تخون وتنتقم.”
أما “خالد”، الشاب الذي يبيع أرضه ويطرد أهله لأجل حبها، فقد لعب دوره الفنان أدهم جابر، الذي قال: “شخصيتي تجسد مأساة الإنسان حين يختار الرغبة على القيم، والجمال الخارجي على الجمال الداخلي، وهي قصة يمكن أن تحدث في أي زمان ومكان.”
وينتهي العرض بظهور شاهد قبر، في رمز مسرحي قوي على أن الحكاية لم تنتهِ، بل تتكرر بصور مختلفة، مما أعطى العرض بُعدًا فلسفيًا وجوديًا يتجاوز حدود القصة الصعيدية.
فريق عمل متعدد الأصوات والطاقات.
ضم فريق العمل أكثر من 20 ممثلًا من أبناء قنا ونجع حمادي، في توليفة جماعية أثبتت أن المسرح المحلي قادر على إنتاج أعمال تنافس على الساحة الثقافية الأوسع. وشارك في البطولة: معتز محمد، أيمن عبد المطلب، حنا عادل، كارم صديق، محمد عبد الرحيم، عاطف حسن، أحمد المرتضي، إيمان متولي، علا شورة، جبريل محمد، ملاك عبد النور، عبد الرحمن حسن، رمزي فادي، مصطفى أحمد، محمد أدهم، خالد سيف، كارلوس ملاك، إياد محمد، ومحمد بريقع.
وتكاملت عناصر العرض عبر السينوغرافيا التي صممها الفنان طة الضوي، والألحان التي وضعها نصر الدين سيد، أما التنفيذ الإخراجي فكان بقيادة أدهم جابر كمخرج منفذ.
مسرح نجع حمادي .. وجهة ثقافية وسياحية ناشئة
يأتي عرض “شلباية” ليكرّس مكانة قصر ثقافة نجع حمادي كمنصة للمسرح الجاد، الذي لا يكتفي بالإبهار، بل يسائل الواقع ويفتح الباب أمام السياحة الثقافية في جنوب مصر، باعتبار المسرح أداة لعرض التراث غير المادي، وجذب فئات من الجمهور المحلي والزائر المهتم بالثقافة الشعبية والدراما التراثية.
فالعرض لم يكن مجرد فن، بل نافذة سياحية ثقافية على الريف المصري بعاداته وقيمه، ما يجعله خطوة نحو تحويل قصور الثقافة في الصعيد إلى نقاط جذب سياحي ترتبط بالذاكرة الجمعية والهوية المصرية.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر