كتب_ أحمد زكي : مع التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، تتجه الأنظار إلى الحصيلة الثقيلة للحرب التي استمرت عامين، والتي أرهقت الطرفين بشريًا واقتصاديًا وتركَت آثارًا عميقة على المنطقة بأكملها.
ورغم صعوبة رسم صورة دقيقة لحجم الخسائر، فإن البيانات المتاحة تكشف ملامح كارثة إنسانية واقتصادية قد تمتد تبعاتها لسنوات طويلة.
خسائر بشرية غير مسبوقة.
منذ السابع من أكتوبر 2023، قُتل أكثر من 67 ألف فلسطيني في قطاع غزة، يشكّل الأطفال دون الثامنة عشرة نحو ثلث هذا العدد، وفقًا لبيانات وزارة الصحة في القطاع.
ولا تميز الإحصاءات بين المدنيين والمقاتلين، في حين تقول إسرائيل إن ما لا يقل عن 20 ألفًا من القتلى هم من المقاتلين، أي ما يعادل نحو 30% من إجمالي الضحايا.
أما في الجانب الإسرائيلي، فقد قُتل ما لا يقل عن 1665 شخصًا من الإسرائيليين والأجانب بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2025، من بينهم 1200 شخص في اليوم الأول من الهجوم، بحسب بيانات رسمية نقلتها وكالة رويترز.
وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل 466 جنديًا وإصابة 2951 آخرين منذ بدء عملياته البرية في غزة.
الاقتصاد الإسرائيلي خسائر فادحة رغم المرونة.
رغم ما أظهره الاقتصاد الإسرائيلي من قدرة على الصمود، إلا أنه تكبّد خسائر عميقة طالت قطاعات رئيسية مثل الزراعة والبناء والسياحة.
ووفقًا لتقديرات بلومبرغ، بلغت تكلفة الحرب نحو 63 مليار دولار، تشمل رواتب الاحتياط، الذخائر، وأنظمة الدفاع.
الحرب تركت أثرًا واضحًا على نمو الناتج المحلي الإسرائيلي، الذي انكمش بنحو 7% عمّا كان متوقعًا لولا اندلاعها، ليصل حجم الاقتصاد إلى نحو 580 مليار دولار فقط.
ومع استمرار تمويل النفقات العسكرية بالاقتراض، ارتفع العجز المالي بشكل حاد. فقد توقع بنك إسرائيل المركزي أن تصل نسبة الدين العام إلى 70% من الناتج المحلي في 2025، و71% في 2026، مع عجز في الموازنة يتراوح بين 4.9% و4.2%.
قبل الحرب، كانت التقديرات تشير إلى عجز لا يتجاوز 0.9% فقط في 2023، ما يعكس حجم التدهور المالي. وزادت الأعباء مع تخفيض وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الكبرى للتصنيف السيادي لإسرائيل عام 2024، نتيجة تداعيات الحرب.
ورغم استقرار التضخم ضمن النطاق المستهدف بين 1% و3%، فإن سوق العمل الإسرائيلي تعرض لضربة قوية بسبب استدعاء أعداد ضخمة من جنود الاحتياط، خاصة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، الذي يُعد المحرك الأساسي للاقتصاد الإسرائيلي.
ومع عودة الجنود تدريجيًا بعد وقف الحرب، تواجه الحكومة تحديًا كبيرًا يتمثل في إعادة دمجهم في سوق العمل وضمان استقرار النشاط الاقتصادي.
لكن الأخطر من الخسائر المالية المباشرة هو تزايد العزلة الدولية لإسرائيل، إذ بدأت بعض الصناديق والمؤسسات العالمية في تقليص استثماراتها داخلها.
فقد أعلن صندوق الثروة السيادي النرويجي، وهو الأكبر عالميًا، سحب استثماراته من عدد من الشركات الإسرائيلية، ما يعد مؤشرًا على تراجع الثقة الدولية.
وفي دراسة لمؤسسة راند الأمريكية نهاية 2023، توقّع الخبراء أن تخسر إسرائيل نحو 400 مليار دولار من نشاطها الاقتصادي خلال العقد المقبل، نتيجة الآثار غير المباشرة للحرب مثل تراجع الاستثمار والإنتاجية، إضافة إلى تآكل صورتها كاقتصاد منفتح وجاذب لرأس المال الأجنبي.
غزة اقتصاد مدمَّر وبنية تحتية منهارة.
على الجانب الآخر، تبدو الخسائر الاقتصادية في قطاع غزة شبه مطلقة، بعد دمار واسع شمل البنية التحتية والمؤسسات الإنتاجية والخدمية.
ويقول البنك الدولي إن الاقتصاد الفلسطيني يعيش أكبر حالة انكماش منذ جيل كامل، بسبب توقف الأنشطة الاقتصادية بشكل شبه كامل في القطاع.
تحليل صادر عن مركز الأقمار الصناعية التابع للأمم المتحدة أشار إلى تدمير أو تضرر نحو 193 ألف مبنى في غزة، فيما يعمل فقط 14 مستشفى من أصل 36 بشكل جزئي وفق منظمة الصحة العالمية.
كما تؤكد تقارير دولية تفشي المجاعة، إذ يعاني أكثر من 514 ألف شخص من الجوع الحاد بحسب نظام التصنيف المتكامل للأمن الغذائي.
أما كلفة إعادة إعمار غزة، فقدّرها مدير مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بنحو 52 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الدمار الشامل الذي لحق بالقطاع.
لكن التحدي الأكبر لا يقتصر على التمويل، بل في الزمن المطلوب لإعادة البناء، إذ تشير التقديرات إلى أن غزة قد تحتاج سنوات طويلة قبل أن تستعيد الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية.
خلاصة المشهد.
بينما يفتح اتفاق وقف إطلاق النار الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة التقييم الإقليمي والإنساني، فإن آثار الحرب على إسرائيل وغزة ستظل جروحًا مفتوحة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
فالخسائر البشرية التي تجاوزت عشرات الآلاف، والتداعيات الاقتصادية الممتدة لسنوات، تجعل من هذه الحرب واحدة من أكثر الصراعات كلفة في تاريخ المنطقة الحديث، من حيث الخسارة في الأرواح، والاستنزاف المالي، وتآكل الثقة الدولية.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر