كتبت – مروة السيد – وكالات : في خطوة طبية وصناعية لافتة، أعلنت تركيا بدء الإنتاج المحلي لأغلى دواء في العالم المخصص لعلاج مرض ضمور العضلات الشوكي (SMA)، في تطور يُعد تحولًا نوعيًا في مسار الرعاية الصحية والتصنيع الدوائي، ويعكس طموح أنقرة لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز أمنها الدوائي.
دواء بملايين الدولارات… وأمل لآلاف المرضى
يُعد الدواء، الذي يُستخدم في علاج حالات ضمور العضلات الشوكي لدى الأطفال، الأغلى عالميًا، حيث تتجاوز تكلفة الجرعة الواحدة مليوني دولار في الأسواق الدولية. ويُستخدم العلاج عبر حقنة واحدة تُعطى للمريض في سن مبكرة، ما يساعد على إيقاف تطور المرض وتحسين القدرات الحركية والتنفسية بشكل ملحوظ.
ويمثل المرض أحد أخطر الأمراض الوراثية النادرة، إذ يؤدي إلى ضعف شديد في العضلات وقد يهدد حياة الأطفال في مراحل مبكرة، ما جعل الدواء بمثابة “علاج منقذ للحياة” رغم تكلفته الباهظة.
تصنيع محلي لتقليل الكلفة وضمان الاستدامة
وأكدت السلطات التركية أن بدء الإنتاج المحلي للدواء يأتي ضمن استراتيجية وطنية لتوطين الصناعات الدوائية المتقدمة، وتقليل فاتورة الاستيراد، وضمان استمرارية توفير العلاج للمرضى دون تأثر بالتقلبات العالمية أو القيود التجارية.
ومن المتوقع أن يسهم الإنتاج المحلي في خفض التكلفة النهائية للعلاج مقارنة بالأسعار العالمية، إلى جانب تسريع إجراءات توفير الدواء للمرضى داخل تركيا، وتقليل فترات الانتظار التي كانت تمثل تحديًا كبيرًا للأسر.
دعم حكومي واستثمار في البحث العلمي
الخطوة الجديدة جاءت بدعم مباشر من الحكومة التركية، التي كثفت خلال السنوات الأخيرة استثماراتها في مجالات التكنولوجيا الحيوية والبحث الطبي، مع التركيز على أدوية الأمراض النادرة والعلاجات الجينية المتقدمة.
ويؤكد مسؤولون في قطاع الصحة أن المشروع يعكس نقلة نوعية في قدرات تركيا العلمية والتقنية، ويضعها ضمن قائمة الدول القليلة القادرة على إنتاج هذا النوع من العلاجات عالية التعقيد.
انعكاسات إقليمية ودولية
لا تقتصر أهمية القرار على الداخل التركي فقط، بل تفتح الباب أمام دور إقليمي محتمل لتركيا كمركز لتصنيع وتصدير العلاجات المتقدمة، خاصة لدول الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية التي تعاني من ارتفاع تكاليف استيراد مثل هذه الأدوية.
كما يعزز هذا التطور مكانة تركيا في سوق الصناعات الدوائية العالمية، التي تشهد منافسة محتدمة على تقنيات العلاج الجيني والبيولوجي.
أمل جديد للأسر… ورسالة سياسية واقتصادية
بالنسبة للأسر التي لديها أطفال مصابون بضمور العضلات الشوكي، يمثل الإعلان بارقة أمل حقيقية في الحصول على العلاج دون أعباء مالية خيالية أو حملات تبرعات طويلة الأمد.
أما على المستوى الأوسع، فيحمل القرار رسالة واضحة بأن الاستثمار في العلم والصحة أصبح ركيزة أساسية في السياسات الاقتصادية الحديثة، وأن الدول القادرة على إنتاج المعرفة الدوائية تمتلك نفوذًا إنسانيًا واقتصاديًا متزايدًا.
ويعد إعلان تركيا بدء إنتاج أغلى دواء في العالم لعلاج ضمور العضلات الشوكي ليس مجرد إنجاز طبي، بل خطوة استراتيجية تجمع بين الإنسانية والاقتصاد والسيادة الصحية. خطوة قد تغيّر مستقبل علاج الأمراض النادرة، وتمنح آلاف الأطفال فرصة جديدة للحياة، وتضع تركيا في موقع متقدم على خريطة الصناعات الدوائية المتطورة.
من يقف خلف الإنجاز؟ تم هذا الإعلان الضخم من داخل مركز (Prof. Dr. Alev Hasanoğlu) للأبحاث السريرية، بقيادة:
البروفيسور أوغور أونال (Uğur Ünal): رئيس جامعة غازي.
البروفيسور فاتح سهيل إزغو (Fatih Süheyl Ezgü): المشرف العلمي على المشروع.
ما هو الدواء الجديد؟ (التفاصيل التقنية): أوضح البروفيسور “إزغو” أن الفريق التركي نجح في تطوير تقنية (AAV-based gene therapy)، وهي نفس التقنية المستخدمة في أغلى أدوية العالم (مثل Zolgensma لعلاج ضمور العضلات SMA).
الفكرة: استخدام فيروسات معدلة وراثياً (ناقلات) لنقل “جين سليم” إلى خلايا المريض لتعويض الجين التالف.
الهدف: علاج الأمراض الوراثية النادرة التي كان علاجها يكلف الدولة ملايين الدولارات لكل طفل.
لماذا هذا الخبر “استراتيجي”؟
توفير المليارات: حالياً، تضطر تركيا لاستيراد هذه العلاجات من الخارج بتكلفة تصل لـ 2.1 مليون دولار للجرعة الواحدة. الإنتاج المحلي سيوفر هذه العملة الصعبة.
الاكتفاء الذاتي: تركيا لن تكون تحت رحمة الشركات الأجنبية في أوقات الأزمات.
مركز إقليمي: صرح رئيس الجامعة أن المركز يعالج حالياً مرضى من أوروبا والشرق الأوسط، والهدف هو تحويل تركيا لمركز عالمي للعلاج الجيني.
موعد النور: أكد الفريق أن البنية التحتية للإنتاج قد اكتملت بدعم من مجلس التعليم العالي (YÖK)، وأن “الدواء التركي” سيكون متاحاً بعد استكمال مراحل التجارب السريرية (Faz çalışmaları) الضرورية، ليصبح أملاً لكل طفل يعاني من مرض وراثي.
الخلاصة: تركيا تنتقل اليوم من دولة “مستهلكة” للتكنولوجيا الحيوية إلى دولة “منتجة ومبتكرة”. المستقبل مشرق.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر