كتب – أحمد زكي : في كل عام، ومع قرب حلول شهر رمضان المعظم، تتحول مدينة نجع حمادي بمحافظة قنا إلى لوحة بصرية نابضة بالروحانية والفرح الجمعي، حيث تتزين الشوارع والميادين بالفوانيس والأهِلّة والأشرطة الضوئية، في مشهد يعكس عمق التقاليد الاجتماعية في صعيد مصر، ويُبرز البعد السياحي الثقافي للشهر الكريم. ولا يُعدّ هذا التزيين مجرد مظهر احتفالي عابر، بل يمثل ممارسة تراثية متجذرة، تُعيد إنتاج الهوية المحلية وتؤكد على خصوصية المدينة ضمن خريطة السياحة الدينية والثقافية في مصر.
الزينة الرمضانية كهوية بصرية للمكان
منذ الأيام الأخيرة لشهر شعبان، تنشط الحركة التجارية في الأسواق الشعبية، وتبدأ الأسر وأصحاب المحال في تعليق الزينات والفوانيس على واجهات المنازل والمتاجر. وتتحول الشوارع الرئيسية إلى ممرات ضوئية تمتد بين المباني، في مشهد يعكس روح التكافل والمشاركة.
هذا الحضور الكثيف للزينة لا يقتصر على الجانب الجمالي، بل يُعد تعبيرًا عن هوية بصرية رمضانية تشكل جزءًا من الذاكرة الجمعية لأهالي نجع حمادي، حيث تتوارث الأجيال طقوس التعليق الجماعي للأنوار وتزيين الحارات، في ممارسة اجتماعية تعزز مفهوم “الشارع كمساحة احتفال”.
البعد الاجتماعي والثقافي للاحتفال
رمضان في نجع حمادي ليس مجرد شهر عبادة، بل موسم للتلاحم الاجتماعي. تتجلى مظاهر الاحتفال في،إقامة موائد الرحمن في الأحياء المختلفة.
تنظيم أمسيات دينية وتلاوات قرآنية في المساجد.
تجمع العائلات عقب صلاة التراويح في الساحات العامة.
هذه المظاهر تمنح المدينة طابعًا احتفاليًا مميزًا، يجعلها نموذجًا مصغرًا للروح الرمضانية في صعيد مصر، حيث يمتزج الدين بالعادات الشعبية في إطار من البساطة والدفء الإنساني.
رمضان كرافد للسياحة الثقافية الداخلية
من منظور سياحي أكاديمي، تمثل الأجواء الرمضانية في المدن المصرية ذات الطابع التقليدي عنصر جذب مهم للسياحة الداخلية. فالسائح المحلي أو الزائر من المحافظات المجاورة يجد في نجع حمادي تجربة ثقافية أصيلة، بعيدة عن الطابع التجاري الصاخب للمدن الكبرى.
إن امتلاء الشوارع بالزينات، وازدحام المقاهي الشعبية بعد الإفطار، والحراك التجاري الليلي، كلها عناصر تُسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وتخلق دورة اقتصادية موسمية ترتبط بالشهر الفضيل. كما تعزز هذه الأجواء من صورة المدينة كوجهة للعيش الرمضاني الأصيل، بما يحمله من طابع اجتماعي وروحي خاص.
البعد الحضري وإعادة تشكيل المجال العام
تشير الدراسات الحضرية إلى أن الاحتفالات الموسمية تُعيد تشكيل استخدامات المجال العام مؤقتًا، وهو ما يتجلى بوضوح في نجع حمادي خلال رمضان؛ حيث تتحول الشوارع إلى مساحات لقاء وتفاعل، وتُضاء الأزقة التي قد تبدو هادئة في بقية العام، فتكتسب حياة ليلية استثنائية.
هذا التحول يمنح المدينة ديناميكية عمرانية موسمية، تعكس قدرة المجتمع المحلي على توظيف الفضاء الحضري في تعزيز القيم الدينية والاجتماعية، بما يُثري التجربة الحضرية ويُعمّق الإحساس بالانتماء.
يبقى رمضان في نجع حمادي أكثر من مجرد طقوس دينية؛ إنه حدث ثقافي اجتماعي يعيد صياغة المشهد البصري والإنساني للمدينة، ويؤكد على أن الاحتفال بالشهر الكريم في صعيد مصر يحمل طابعًا خاصًا يجمع بين البساطة والعمق.
ومع كل فانوس يُضاء في شوارع نجع حمادي، تتجدد معاني الألفة والرحمة، ويتحول الفضاء العام إلى ساحة احتفال روحي، يرسّخ هوية المكان ويمنحه حضورًا متفردًا في خريطة السياحة الرمضانية المصرية.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر