كتب – أحمد زكي : في كل مساءٍ رمضاني، حين تتراصّ الأطباق في تناغمٍ بصريٍّ دقيق، وتُضاء الموائد بلمسةٍ من دفء الأسرة وروح المشاركة، نمارس طقسًا يبدو معاصرًا في شكله، لكنه عريقٌ في جذوره. فالعناية بتفاصيل المائدة، وتقديم الطعام في صورةٍ تجمع بين الجمال والاحترام، ليست سلوكًا طارئًا على الثقافة المصرية، بل امتدادٌ حضاريٌّ يعود إلى آلاف السنين، تشهد عليه النقوش واللقى الأثرية المحفوظة داخل نقوش المعابد المصرية القديمة ومنها مشاهد الولائم وآداب الضيافة التي صُوّرت على جدران المقابر والمعابد بدقةٍ لافتة. فالمائدة آنذاك لم تكن مجرد مساحة لتناول الطعام، بل كانت انعكاسًا لقيم النظام والانسجام والكرم، وتجسيدًا عمليًا لفلسفة “ماعت” التي قامت عليها الحضارة المصرية.
في هذا السياق، تفتح بابًا جديدًا أمام السياحة الثقافية الرمضانية، عبر قراءة أكاديمية تستند إلى الشواهد الأثرية، وتعيد ربط تفاصيل موائدنا المعاصرة بإرثٍ بصريٍّ ونصيٍّ موثق على جدران التاريخ. إنها دعوة لاكتشاف كيف كان فن التقديم طقسًا يحمل أبعادًا دينية واجتماعية، وكيف تحوّل ترتيب الأطباق إلى لغةٍ رمزية تعبّر عن الرقي والجمال والاحترام المتبادل.
هكذا، وبين موائد اليوم ونقوش الأمس، تتجدد الحكاية ذاتها: حكاية شعبٍ جعل من الضيافة ثقافة، ومن المائدة رسالة حضارية لا تزال نابضة بالحياة.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر