كتب – أحمد زكي : في مشهد يُعيد إلى الذاكرة زمن السينما المصرية في عصرها الذهبي، رحلت عن عالمنا صباح الجمعة 27 فبراير 2026 الفنانة الاستعراضية ذات الأصول اليونانية كيتي فوتساكي، التي ارتبط اسمها وجدانياً بدورها الشهير في فيلم عفريتة إسماعيل ياسين أمام الكوميديان الكبير إسماعيل ياسين. وقد توفيت في منزلها بالعاصمة اليونانية أثينا عن عمر يناهز 96 عامًا، بعد حياة طويلة تنقلت خلالها بين خشبات المسارح واستوديوهات السينما قبل أن تختار العزلة والهدوء بعيدًا عن الأضواء. ويُمثل رحيلها نهاية فصل مهم من فصول الفن الاستعراضي في السينما المصرية خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.
النشأة والخلفية الثقافية.
وُلدت كيتي فوتساكي في مدينة الإسكندرية لأسرة يونانية استقرت في مصر، في بيئة متعددة الثقافات أسهمت في تكوين شخصيتها الفنية المبكرة. شهدت الإسكندرية في تلك الفترة تداخلاً حضاريًا لافتًا بين الجاليات الأجنبية والمجتمع المصري، ما أتاح لها التعرف على فنون الرقص الكلاسيكي والاستعراضي منذ صغرها، قبل أن تتجه إلى الاحتراف.
انتقلت لاحقًا إلى القاهرة، حيث بدأت مسيرتها في العروض الاستعراضية، مستفيدة من حضورها المسرحي وخفة حركتها وقدرتها على المزج بين الرقص الشرقي والطابع الأوروبي في الأداء.
المسيرة الفنية وبصمة العصر الذهبي.
دخلت كيتي عالم السينما في أواخر الأربعينيات، وبرزت سريعًا كواحدة من أشهر الراقصات الاستعراضيات في أفلام الأبيض والأسود. شاركت في عشرات الأعمال السينمائية، قُدّر عددها بما بين 60 و70 فيلمًا، خلال فترة قصيرة نسبيًا لكنها مكثفة فنيًا.
وجاءت ذروة شهرتها من خلال مشاركتها في فيلم «عفريتة إسماعيل ياسين»، الذي منحها لقبًا ظل ملازمًا لها في ذاكرة الجمهور العربي. وقد تميز أداؤها بخفة الظل والحضور اللافت، ما جعلها عنصرًا جاذبًا في الأعمال الكوميدية والاستعراضية على حد سواء.
كما شاركت في أفلام أخرى تنوعت بين الاجتماعي والكوميدي والاستعراضي، وأسهمت في إثراء مشاهد الرقص التي كانت آنذاك جزءًا أساسيًا من البناء الدرامي للأفلام المصرية.
التحولات السياسية والابتعاد عن الساحة.
في منتصف ستينيات القرن الماضي، ومع تغير السياسات المنظمة لعمل الأجانب في مصر، غادرت كيتي البلاد وعادت إلى اليونان. شكّل ذلك التحول نهاية فعلية لمسيرتها الفنية في مصر، إذ اختارت عدم العودة إلى الأضواء، مفضّلة حياة الاستقرار الأسري بعيدًا عن الإعلام.
وعلى مدار عقود طويلة، ندر ظهورها الإعلامي، واحتفظت بخصوصيتها، رغم استمرار الاهتمام بها من جانب محبي السينما الكلاسيكية.
سنواتها الأخيرة والرحيل الهادئ.
عاشت كيتي سنواتها الأخيرة في أثينا وسط عائلتها، بعيدة عن الضجيج الفني. وأكد مقربون منها أنها توفيت بهدوء أثناء نومها صباح الجمعة 27 فبراير 2026، في مشهد يعكس نهاية هادئة لمسيرة صاخبة بالأضواء في شبابها.
وقد أثار خبر وفاتها حالة من الحزن بين المهتمين بتاريخ السينما المصرية، خاصة من عشاق أفلام العصر الذهبي، الذين أعادوا تداول مشاهدها الاستعراضية تقديرًا لمسيرتها.
إرثها الفني.
تمثل كيتي فوتساكي نموذجًا للفنانة الأجنبية التي اندمجت في نسيج السينما المصرية وأسهمت في تشكيل ملامحها البصرية خلال مرحلة مهمة من تطورها. كما تعكس مسيرتها طبيعة المجتمع المصري في تلك الفترة، الذي كان منفتحًا على التعدد الثقافي في الفنون.
ورغم أن حضورها اقتصر في الغالب على الأدوار الاستعراضية، فإن تأثيرها ظل راسخًا في ذاكرة الجمهور، خصوصًا عبر العمل الذي حمل اسمها الفني الأشهر.
برحيل كيتي فوتساكي، تطوى صفحة من صفحات الفن الاستعراضي في السينما المصرية الكلاسيكية، ويبقى اسمها مرتبطًا بفترة ذهبية صنعت ملامح الوجدان البصري العربي. وبين الإسكندرية والقاهرة وأثينا، عاشت فنانة جمعت بين ثقافتين، وخلّدت حضورها في أرشيف السينما، لتظل «عفريتة» خفيفة الظل في ذاكرة الشاشة الفضية.

إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر