كتب – أحمد رزق : في الوقت الذي تتجه فيه الدولة المصرية إلى ترسيخ مفهوم التنمية المستدامة باعتباره الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي، تبرز المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية كأحد أهم أدوات التخطيط لمستقبل القطاعات الإنتاجية والخدمية، وفي مقدمتها السياحة والسفر والنقل، باعتبارها قطاعات تعتمد بصورة مباشرة على جودة البنية الأساسية، ومستوى الخدمات، وتحسن جودة الحياة داخل المجتمعات المحلية.
وفي هذا الإطار، عقد الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، اجتماعًا مع الدكتورة سابينا ألكير، مديرة مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية (OPHI)، على هامش مشاركته في المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة (HLPF 2026) بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، لبحث تطوير آليات قياس الفقر متعدد الأبعاد والاستفادة من أحدث المنهجيات الدولية في تقييم المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”.
التنمية المحلية أساس نجاح المقاصد السياحية
ورغم أن اللقاء ركز على مؤشرات التنمية الاجتماعية، فإن نتائجه تحمل انعكاسات مباشرة على قطاع السياحة، إذ أصبحت التجارب العالمية تؤكد أن المقصد السياحي الناجح يبدأ من مجتمع محلي يتمتع بخدمات جيدة وبنية تحتية متطورة ومستوى معيشة أفضل.
فالمبادرة الرئاسية “حياة كريمة” لم تقتصر على تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، بل شملت تطوير شبكات الطرق، ومياه الشرب، والصرف الصحي، والاتصالات، والكهرباء، والخدمات الحكومية، وهي عناصر تشكل قاعدة رئيسية لتنمية السياحة الريفية والبيئية والثقافية، وتفتح المجال أمام ظهور وجهات سياحية جديدة خارج المدن التقليدية.
النقل والبنية الأساسية.. ركيزة لتنشيط حركة السفر
ويؤكد خبراء السياحة أن الاستثمار في البنية الأساسية داخل القرى والمناطق الأقل حظًا ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة شبكات النقل، وسهولة انتقال المواطنين والزائرين، وهو ما يدعم خطط الدولة لربط المقاصد السياحية بشبكات الطرق الحديثة، ويعزز فرص الاستثمار في الفنادق الصغيرة، وبيوت الضيافة، والسياحة البيئية، وسياحة التراث.
كما أن تحسين جودة الطرق والخدمات اللوجستية يسهم في خفض تكاليف التشغيل لشركات النقل السياحي، ويرفع من كفاءة الرحلات الداخلية، ويزيد من قدرة المحافظات على استقبال الزائرين طوال العام.
مؤشرات دقيقة تدعم التخطيط السياحي
وخلال اللقاء، أكد الدكتور أحمد رستم تقدير الحكومة المصرية للشراكة الممتدة مع مبادرة أكسفورد، مشيرًا إلى أهمية توسيع التعاون في برامج بناء القدرات والاستفادة من أفضل الممارسات الدولية، لضمان استدامة قياس المؤشر الوطني للفقر متعدد الأبعاد بالاعتماد على قواعد البيانات الوطنية الدقيقة.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنسبة لقطاع السياحة، لأنها تساعد صناع القرار على تحديد المناطق الأكثر احتياجًا للاستثمار والخدمات، بما يسمح بتوجيه الإنفاق العام بصورة أكثر كفاءة، سواء في مشروعات الطرق أو النقل أو الخدمات الداعمة للنشاط السياحي.
“حياة كريمة”.. استثمار في الإنسان والاقتصاد
وأوضح وزير التخطيط أن الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تضع تحسين مستوى معيشة المواطنين في مقدمة أولوياتها، من خلال زيادة الاستثمارات الموجهة للتنمية البشرية، مؤكدًا أن مبادرة “حياة كريمة” تعد أحد أكبر المشروعات التنموية في تاريخ مصر، لما حققته من تطوير شامل للريف المصري والارتقاء بالخدمات الأساسية.
ويؤكد متخصصون أن هذا التطوير يمثل استثمارًا طويل الأجل في الاقتصاد السياحي، لأن المجتمعات الأكثر تطورًا تصبح أكثر قدرة على تقديم خدمات سياحية ذات جودة، كما تسهم في الحفاظ على التراث المحلي والحرف التقليدية، بما يعزز تنوع المنتج السياحي المصري.
إشادة دولية بالتجربة المصرية
من جانبها، أشادت الدكتورة سابينا ألكير بالتجربة المصرية في تطوير المؤشر الوطني للفقر متعدد الأبعاد، مؤكدة أنه يمثل أداة مهمة لرصد أوضاع المواطنين بصورة أكثر شمولًا، ويساعد في تصميم سياسات تنموية أكثر دقة.
كما أثنت على مبادرة “حياة كريمة”، معتبرة أنها أصبحت نموذجًا دوليًا ناجحًا في معالجة أبعاد الفقر وتحسين جودة الحياة، مشيدة في الوقت نفسه بكفاءة خبراء الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في إنتاج المؤشرات الداعمة لصنع القرار.
وتحمل هذه الإشادة الدولية رسالة إيجابية للمستثمرين في قطاعات السياحة والضيافة والنقل، إذ تعكس ثقة المؤسسات الدولية في مسار التنمية الذي تنتهجه مصر، وهو ما يعزز من جاذبية السوق المصرية أمام الاستثمارات الجديدة.
التنمية المستدامة تدعم تنافسية السياحة المصرية
ويؤكد مراقبون أن نجاح مصر في تطوير أدوات قياس التنمية وتحسين جودة الحياة لا ينعكس فقط على المؤشرات الاجتماعية، بل يمتد أثره إلى تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، حيث أصبحت معايير الاستدامة وجودة الخدمات والبنية الأساسية من أهم العوامل التي يعتمد عليها السائح عند اختيار وجهته.
كما تسهم هذه الجهود في دعم أهداف الدولة لزيادة الحركة السياحية، وتوسيع خريطة المقاصد المصرية، وتحفيز الاستثمارات في النقل والسفر والضيافة، بما يتماشى مع رؤية مصر للتنمية المستدامة وأهدافها الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
وبذلك، تؤكد المناقشات التي شهدها المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة في نيويورك أن قياس الفقر وتحسين جودة الحياة لم يعدا مجرد أدوات اجتماعية، بل أصبحا أحد المحركات الأساسية لتعزيز السياحة، وتطوير شبكات النقل، وتهيئة بيئة أكثر جذبًا للاستثمار، بما يدعم مكانة مصر كوجهة سياحية وتنموية مستدامة على المستويين الإقليمي والدولي.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر