كتب_أحمد زكي : عجيبة الدنيا التي لا مثيل لها في عراقتها وشموخها، البناء الخالد الذي لا تذكر مصر إلا وتتجسد صورته، الرمز الأعمق للخلود، والأحجية التي لم يستطع أحد فض لغزها حتى اليوم، تلك هي الأهرام التي أهدتها مصر إلى العالم ولا تزال شاهدة على عظمة التاريخ المصري ويتوافد إليها الزوار، ليطوفوا محرابها ويلمسوا بأيديهم الفانية أحجار خلودها الباقية
ولا عجب أن التفت إليها الشعراء وأعادوا بناءها في قصائدهم حجراً حجراً، فمنهم من وقف منها وقفة الرسام الذي يحاول بكلماته رسم لوحتها الساحرة، ومنهم نظر إلى العظة من خلودها وفناء بانيها، ومنهم من اتخذها رمزاً للفخر بماضي مصر العريق.. ونحن هنا نحاول أن نقف عند سفح هذا البناء الخالد، لننظر نظرة إكبار وإجلال إليها، عبر ما خطه الشعراء في وصفها.
ونبدأ بالمتنبي الذي أخرج من وتر الحكمة في قيثارة شعرنا العربي،
أجمل ألحانه وأشجاها، فيرى في الأهرام عظة بليغة، ولذا تأتي أبياته مدموغة بتوقيعه في حكمة خالدة أملاها حزن الرثاء، فزادها تفرداً فيقول: تصفو الحياة لجاهل أو غافل
عما مضى فيها وما يُتَوَقَّعُ ولمن يُغالط في الحَقَائِقِ نَفْسَهُ ويَسومُها طَلَبَ المُحالِ فَتَطْمَعُ
أين الذي الهَرَمانِ مِن بُنيانِهِ ما قومُهُ ما يَومُهُ مَا المَصْرَعُ
تتخلف الآثارُ عَن أَصْحَابها
حيناً وَيُدرِكُها الفناءُ فَتَتَبَعُ
ولا ندري لو لم يزر المتنبي مصر، هل كان سيرسم كلماته وجمله
البنية التي لا تماثلها بنية أخرى تحت السماء.
ويقودنا عجز الشعراء عن إدراك كنه الأهرام، إلى أساطير بنائها ومن قام بهذا البناء العجيب، لذا نعود أدراجنا قليلاً في الزمن، لنجد البحتري يذكر لنا سنان بن المشلل، باني الأهرام الأسطوري الذي يضرب به المثل
في المنعة والخلود، فيقول:
أقولُ لِمَكذوب عَنِ الدَّهْرِ زَاغَ عَن
تَخَيرِ آراء الحجا وانتخابها
تدل بمصر والحَوادِثُ تَهْتَدي
لمصر إذا ما نَقَّبَتْ عَن جَنابِها زَمانَ يُعَنِّيهِ ارْتِياضُ صِعابها
وما أنت فيها بِالوَلِيدِ بنِ مُصْعَبٍ
ولا كسنان بن المُشَلَّلِ عِندَما
بنى هَرَمَيْها مِن حِجَارَةِ لابها
وهكذا نجد الأهرام ببنائها العجيب، قد لفتت الشعراء من عهد بعيد، ولكن ماذا عن العصر الحديث؟
أليس طبيعياً أن يكثر ذكر الأهرام؛ فها هو محمود سامي البارودي، فاتحة الشعر في عصرنا الحديث، يتذكر صنيع
الدهر بالأمم الخالية، فيقول:
مَمٌ أَخْلَدَتْ إِلَى الدَّهْرِ حِيناً
ثُمَّ ضَاعَتْ فِي لُجَّةِ النِّسْيانِ حَصَدَتْهَا
يَدُ الْمَنُونِ فَصَارَتْ خَبَراً فِي الْوُجُودِ
بَعْدَ عِيانِ فَتَرَسَّمْ مَعَالِمَ الْأَرْضِ
وَاسْأَلْ فَعَسَى أَنْ يُجِيبَكَ الْهَرَمانِ
وأما فخر شعراء مصر بالأهرام، فأكثر من أن يُحصى، ولم لا وكل مصري يولد وفي نفسه شيء من خلودها وعظمتها؛ وها هو ذا شاعر النيل حافظ إبراهيم، يقول في داليته المدوية التي قالها على لسان مصر، وزادهاصوت أم كلثوم جمالاً وسيرورة:
وَقَفَ الخَلْقُ يَنْظُرُونَ جَميعاً
كَيْفَ أبني قَواعِدَ المَجْدِ وَحْدي
وبناة الأهرام في سالف الدهر
كفوني الكَلامَ عِنْدَ التَّحَدِّي
أنا تاج العلاء في مَفْرِقِ الشرق
وَدُرَاتُهُ فَرائدُ عقدي فترابي تبرٌ وَنَهْرِي فُراتٌ
وسمائي مصقولةٌ كَالْفِرَنْدِ
وبهذه الأبيات نكون قد رسمنا لوحة بكلمات الشعراء، وصفوا فيها تلك الأحجية الخالدة والعجيبة الباقية بقاء الزمان، وجارهاالرابض بجوارها ابو الهول
وكأنه ديدبان القدر كما عبر أمير الشعراء
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر