كتب -أحمد زكي : في زوايا التاريخ المنسية وبين صفحات الماضي المتجذرة في أرض نجع حمادي، تتجلى شخصية السيدة حميدة مصطفى حسن رائف، التي لم تكن مجرد امرأة تركية الأصل، بل رمزًا للعطاء والإحسان في هذه المدينة. تمتلك السيدة حميدة مئات الأفدنة في نجع حمادي وقراها، لكنها اختارت أن تستثمر ثروتها في الخير والبر، فأنشأت وجددت العديد من المساجد، وأوقفت جزءًا كبيرًا من مالها لأعمال الصدقة والإحسان. يتصدر مسجد الست حميدة في نجع حمادي قائمة منشآتها، بجانب مسجد الشيخ أحمد الوزيري في بهجورة، ليبقى ذكرها خالدًا في ذاكرة المدينة وأهلها. فما قصة هذه السيدة التي جمعت بين الثراء والبذل، وما هي تفاصيل المرسومين الملكيين اللذين خُطَّا بأمر الملك فؤاد والملك فاروق؟ دعونا نستعرض تفاصيل حياة وعطاءات هذه المرأة العظيمة.
في قلب مدينة نجع حمادي، وعلى أرضٍ كانت شاهدةً على عطاء لا ينضب، ولدت السيدة حميدة مصطفى حسن رائف، وهي من أصل تركي، في أسرة كانت تملك مئات الأفدنة في المدينة وقراها. ولكن بدلاً من الانغماس في حياة الرفاهية، اختارت أن تكون سيدة الخير الأولى في المنطقة. لا تزال أعمالها الخيرية تتحدث عنها، من خلال المساجد التي أنشأتها وجددتها، والتي أصبحت معالم دينية وثقافية تروي قصصًا عن بر وإحسان سيدة كرست حياتها لخدمة الناس والمجتمع.
في عام 1936م، شيدت السيدة حميدة جامعها الخاص في مدينة نجع حمادي. وقد حظي هذا المسجد بمرسوم ملكي من الملك فؤاد الأول، نصه: “قامت السيدة حميدة هانم مصطفى حسن ببناء هذا المسجد على ملكها ونفقتها الخاصة، وقد ابتدأ في إقامته في اليوم السادس والعشرين من شهر محرم سنة 1355هـ، وانتهى العمل منه وصار صالحًا لإقامة جميع الشعائر الدينية في أول ذي الحجة من نفس العام”. هذا المسجد، الذي ما زال قائمًا حتى اليوم، يعد شاهدًا حيًا على إرث السيدة حميدة وروحها الخيرية.
لم تقتصر جهودها على هذا المسجد فقط، بل شملت تجديد مسجد الشيخ أحمد الوزيري ببهجورة، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1282هـ / 1865م. وفي نقشٍ رُخامي بخط النستعليق (الفارسي) على مدخلي المسجد الشمالي والشرقي، كتب: “إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر”. هذا التجديد الذي قامت به السيدة حميدة في عام 1356هـ، أضاف فصلًا جديدًا إلى تاريخ هذا المسجد العريق، الذي يحتوي أيضًا على مقبرتين لعائلة محمد أفندي رائف.
هذه المساجد لم تكن مجرد مبانٍ دينية، بل كانت مراكز تجمع فيها المجتمع لأداء الصلوات والشعائر، ولعبت دورًا مهمًا في نشر العلم والقيم الإسلامية. وما يميز هذه المساجد أن المرسومين الملكيين اللذين أُصدرا من الملك فؤاد والملك فاروق ما زالا موجودين داخل مسجد الست حميدة بنجع حمادي، كذكرى دائمة لعطاءات سيدة الخير.
لقد نجحت السيدة حميدة في ترك بصمة خالدة في مجتمعها، من خلال استثمار ثروتها في أعمال البر والخير، وليس في مجرد مظاهر مادية. ورغم مرور عقود على وفاتها، إلا أن ذكراها تبقى حية في نفوس أهل نجع حمادي وقراها، كرمزٍ للكرم والعطاء الذي يظل ماثلًا أمام الجميع.

إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر