كتب – أحمد زكي : تمثل السياحة الزراعية قطاعًا واعدًا ومتناميًا في مصر، وتعد محافظة الشرقية، المعروفة بإنتاجها الزراعي الوفير، نموذجًا يحتذى به في هذا المجال. فموسم حصاد الأرز، الذي تُعد الشرقية من أكبر محافظات إنتاجه، لا يمثل حدثًا اقتصاديًا فحسب، بل هو مشهد تراثي متجدد يحمل في طياته إمكانيات سياحية كبيرة يمكن استغلالها لتعزيز مفهوم السياحة الزراعية.
ففي قلب دلتا النيل، تعود الحياة إلى الحقول مع قدوم فصل الصيف، معلنة انطلاق أحد أهم المواسم الزراعية في مصر موسم زراعة الأرز. ومع شهر مايو، تبدأ مشاهد غمر الحقول بالماء، وأصوات الفلاحين وهم يجهزون مشاتل الأرز، في مشهد تراثي متجدد يحمل في طياته أهمية اقتصادية وثقافية وسياحية قلّ نظيرها.
محافظة الشرقية، إحدى أكبر محافظات الجمهورية إنتاجًا للأرز، وكيف يمكن تحويل هذا الموسم إلى منتج سياحي ثقافي متجدد.
السياق التاريخي والثقافي لزراعة الأرز في الشرقية
زراعة الأرز ليست مجرد نشاط اقتصادي في الدلتا، بل طقس سنوي يتوارثه الفلاحون منذ قرون. في الشرقية، تتناغم الموروثات مع تقنيات الزراعة الحديثة، ويُعد بدء تجهيز المشتل بمثابة احتفال مصغر تشارك فيه الأسرة والقرية.
يقول الدكتور «أحمد خليل»، الباحث في الأنثروبولوجيا الزراعية بجامعة الزقازيق، “الأرز في مصر هو أكثر من طعام، إنه ذاكرة ثقافية، في القرى الشرقية، ارتبطت زراعته بالأغاني الشعبية، والأمثال، وطقوس الاستبشار بموسم الخير.”
من المشتل إلى الغرس – مراحل دقيقة تبدأ بالقطرة
بدأ الفلاحون منذ مطلع مايو بتجهيز مشاتل الأرز، وهي مرحلة حرجة تسبق نقل الشتلات إلى الأرض الدائمة.
يُزرع الأرز أولًا في أرض صغيرة خصبة تُغمر بالماء، وتُعد بعناية فائقة، ثم تُنقل الشتلات بعد نحو 30 يومًا إلى الحقول.
“المشتل هو الضمانة الأولى للمحصول”، يؤكد الحاج سيد عبد الرازق، أحد كبار المزارعين في قرية “العلاء” التابعة لمركز أبو كبير، مضيفًا، لو الشتلة تعبت، السنة كلها تبوظ عشان كده بنشتغل بالملي، من ريّ لوقت الزراعة، ومن نقاوة الحبوب لحرث الأرض.
التحديات البيئية والمائية في موسم 2025
رغم أهمية زراعة الأرز، إلا أنها تواجه في السنوات الأخيرة تحديات كبيرة، على رأسها أزمة نقص المياه، إذ تستهلك زراعة الأرز كميات وفيرة من المياه، ما جعل الحكومة تقنن زراعته في محافظات محددة، وتحث الفلاحين على استخدام الأصناف الموفّرة للمياه.
يقول المهندس عمرو عبد المنعم، مدير إدارة الإرشاد الزراعي بالشرقية، نعم، نواجه تحديًا مائيًا، لكننا لا نمنع زراعة الأرز في الشرقية. نوجه المزارعين لاستخدام الأصناف القصيرة العمر مثل سخا 108 وجيزة 179، ونشجع الزراعة على المصاطب لترشيد المياه.”
الزراعة والسياحة – فرصة مهدرة؟
رغم الجاذبية البصرية الكبيرة لمشاهد الحقول المغمورة، والشتلات الخضراء، والعمال في تناغم مع الطبيعة، إلا أن السياحة الزراعية ما زالت غائبة عن موسم الأرز في مصر.
الخبير السياحي «محمود الحسيني» يطرح رؤيته قائلاً، في دول مثل اليابان وفيتنام، أصبحت زراعة الأرز جزءًا من عروض سياحية منظمة في مصر، لدينا مناظر رائعة في الشرقية وكفر الشيخ والدقهلية، لكننا لم نحولها بعد إلى منتج سياحي وثقافي، رغم ثراء المشهد ومكانته التراثية.”
مشاهدات من الميدان
في جولة ميدانية لكاميرا” تورزم ديلي نيوز” داخل قرى فاقوس وأبو كبير والحسينية، رصدنا مشاركة واسعة من النساء في إعداد مشاتل الأرز، وعودة لاستخدام طرق الزراعة التقليدية جنبًا إلى جنب مع استخدام ماكينات الري الحديثة.
في إحدى الحقول، تنشد مجموعة من الفلاحات أغاني تراثية أثناء نقل الشتلات، في مشهد يوحي بربط فني بين الزراعة والفرح الشعبي.
مناسبة ثقافية واجتماعية وجمالية.
موسم زراعة الأرز ليس فقط مناسبة زراعية، بل مناسبة ثقافية واجتماعية وجمالية في محافظة الشرقية، يمكن أن يتحول هذا الموسم إلى تجربة سياحية فريدة، لو أُحسن توثيقه وتسويقه. وبين حبة الأرز، وقطرة الماء، ونشيد الفلاحة، تختبئ قصة مصرية أصيلة تنتظر من يعيد سردها للعالم.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر