الرئيسية / تجربتي / سوق الحمام في الدوحة .. حين تتحول الهواية إلى نمط حياة وثقافة وهوية

سوق الحمام في الدوحة .. حين تتحول الهواية إلى نمط حياة وثقافة وهوية

كتب_أحمد زكي : على مر العقود، لم تكن أسواق الحيوانات والطيور مجرد أماكن للتجارة فحسب، بل أصبحت مراكز حيوية تعكس جانبًا من هوية الشعوب وثقافتها. وفي قلب العاصمة القطرية الدوحة، يقف “سوق الحمام” شامخًا كمثال حي على هذا التلاقي بين الهواية والتقاليد والتجارة. لا يبدو للزائر العابر أنه سوى سوق تقليدي، لكنه في الحقيقة ينبض بتفاصيل اجتماعية واقتصادية وثقافية بالغة الثراء.
فما الذي يجعل من هذا السوق وجهة لعشاق الطيور من قطر والخليج؟ ومن يدير هذه التجارة؟ وما الأبعاد الثقافية والسياحية والاقتصادية لسوق أصبح أحد أبرز ملامح التراث الشعبي في الدوحة؟
نحاول الغوص خلف الكواليس، واستجلاء الأدوار المختلفة التي يقوم بها السوق، عبر لقاءات ميدانية، وشهادات متعاملين، وتحليل السياق الاقتصادي والثقافي للسوق، في محاولة لفهم كيف تحوّل بيع الحمام وتربيته من مجرد تجارة إلى أسلوب حياة في قطر الحديثة.

الخلفية التاريخية والاجتماعية للسوق

يعود تأسيس “سوق الحمام” في الدوحة إلى بدايات التسعينيات، وقد شُيِّد بجوار “سوق واقف” التاريخي، ليكمل المشهد التراثي والمعماري للمنطقة. ويعد السوق امتدادًا لتقاليد عربية عريقة في تربية الحمام وتداوله، إذ يرتبط الحمام في المخيال العربي بالحرية والوفاء والتواصل، بل وكان في بعض الفترات وسيلة مراسلة أساسية. ومع تطور الزمن، انتقلت تربية الحمام إلى فضاء الهواية الاحترافية والتجارة المفتوحة.

في قطر، لم يقتصر السوق على عرض الطيور فقط، بل بات معلمًا ثقافيًا وسياحيًا، يجتذب عشاق الطيور من الداخل والخارج، حيث يُعرض فيه الحمام بأصنافه النادرة والملونة، إلى جانب طيور الزينة، والعصافير، ومستلزمات التربية والعناية، في أجواء تحاكي الأسواق الشعبية القديمة بطابع معماري جذاب.

السوق من الداخل تفاصيل الحياة اليومية

في زيارة ميدانية إلى السوق، يبدو المشهد سورياليًا بين زقزقة الطيور وصيحات الباعة وحركة الزوار. يفترش التجار مداخل محالهم بالأقفاص الخشبية والبلاستيكية، بينما تتدلى من السقف سلاسل من أقفاص صغيرة تضم أنواعًا نادرة من الحمام، مثل “الحمام الزاجل” و”الحمام النفاخ” و”الجاكوبين”.

يقول “عبد الله النعيمي”، أحد الهواة المخضرمين أول ما تبدأ تربي حمام، يصعب عليك التوقف. الأمر يتحول إلى شغف وهوس والسوق هنا صار مثل النادي، نلتقي فيه ونتبادل الخبرات، وأحيانًا نبرم صفقات بالمئات أو الآلاف.

ويشير “محمد سالم”، بائع منذ أكثر من عشر سنوات، إلى تغيرات ملحوظة في نوعية الزبائن، الزوار لم يعودوا فقط من الهواة أو البائعين، بل كثير من السيّاح يأتون من أوروبا أو شرق آسيا لمجرد التصوير والمشاهدة، وبعضهم يشتري أنواعًا غريبة كهدايا”.

اقتصاد الحمام تجارة بملايين الريالات

وراء الأقفاص والألوان، تقف تجارة مزدهرة، تتجاوز أحيانًا ما يظنه البعض مجرد بيع طيور. فأسعار الحمام تتفاوت بشدة، إذ قد يبدأ السعر من 50 ريالًا قطريًا ويصل إلى 10,000 ريال أو أكثر للأنواع النادرة ذات النسب المعروف.

ويوضح “أحمد العلي”، أحد المنظمين السابقين لمزادات الحمام في السوق، أن بعض الصفقات تُبرم في جلسات مغلقة بعيدًا عن أنظار الزوار، خاصة عند التعامل بأنواع حمام الزينة أو حمام السباق السوق شهد بيع طير حمام بـ45 ألف ريال في إحدى المزادات الخاصة”، يقول العلي.
ويضيف، الأمر لا يتعلق فقط بالشكل، بل بالنسب والسلالة، هناك سلالات تملك شهادات منشأ وسجلات سباق، ما يجعلها فريدة ومكلفة.

السياحة وسوق الحمام معلم ثقافي حي

ضمن رؤية الدوحة لتعزيز السياحة الثقافية، أصبح سوق الحمام جزءًا من المسار السياحي الذي يربط “سوق واقف” و”كورنيش الدوحة” ومتاحف المنطقة. ولعل الطابع التقليدي للسوق، وتنوع الطيور، والأصوات المميزة، كلها عوامل تضيف بعدًا حسيًا وتجريبيًا للسائح الباحث عن لمسة محلية.

يقول “فريدريك شولتز”، سائح ألماني في السوق، لم أتوقع أن أجد مكانًا مثل هذا في قلب مدينة عصرية الطيور، وروائح العلف، والبائعون بلباسهم التقليدي… كل ذلك جعلني أشعر أنني في فيلم وثائقي حي.

وقد بدأت مؤسسات سياحية محلية تنظيم زيارات موجهة للسوق، ضمن جولات تراثية وثقافية، في محاولة لتعزيز الثقافة المحلية عبر التفاصيل الصغيرة التي تميز المجتمع القطري.

تحديات السوق التنظيم والرفق بالحيوان

رغم الأهمية الثقافية والاقتصادية للسوق، تواجهه بعض التحديات. أبرزها يتعلق بظروف النظافة والصحة العامة، خاصة في فصل الصيف، وازدحام السوق أيام العطل. كما تثار من حين لآخر تساؤلات حول تطبيق معايير الرفق بالحيوان، خصوصًا عند ملاحظة أقفاص مكتظة أو طرق نقل غير مناسبة.

وتقول الدكتورة “ميساء الخليفي”، المتخصصة في الطب البيطري، السوق يضم طيورًا حساسة للغاية، لذا من الضروري تفعيل الرقابة البيطرية وتوفير بيئة مناسبة، فالحرارة والتكدس تؤدي إلى أمراض قد تنتقل بسهولة.

ورغم وجود عيادات بيطرية ملحقة بالسوق، يطالب بعض المهتمين بتحديث المرافق وتحسين التهوية وتدريب الباعة على أساليب التربية الحديثة.

سوق الحمام في الدوحة ليس مجرد مكان لبيع الطيور، بل فضاء تتقاطع فيه الهواية بالتجارة، والتراث بالحداثة، والتجربة السياحية بالثقافة المحلية. إنه مرآة حقيقية تعكس تفاصيل المجتمع القطري وتطوره، وقدرته على الحفاظ على عناصر هويته الشعبية وسط زخم التحديث والعولمة.

ولكن لضمان استمرار هذا المعلم في أداء أدواره الحيوية، ينبغي تعزيز تنظيمه، وتوفير بيئة صحية وإنسانية للطيور والزوّار على حد سواء، ليظل نموذجًا يُحتذى في الجمع بين الأصالة وروح العصر.

إقرأ أيضاً :

“مصر للطيران” تختتم جسرها الجوى لنقل حجاج بيت الله الحرام بـ21 رحلة..غدا

شاهد أيضاً

سانت كاترين تنتعش سياحيًا .. 422 زائرًا يتوافدون على المدينة الروحانية

سانت كاترين تنتعش سياحيًا .. 422 زائرًا يتوافدون على المدينة الروحانية

كتبت – مروة السيد : شهدت مدينة سانت كاترين، اليوم السبت، انتعاشة سياحية ملحوظة مع …