الرئيسية / قضايا وآراء / غزة الوجه المأساوي للسياحة .. عندما تتحول أرض الحضارة إلى خريطة نزوح وألم
غزة الوجه المأساوي للسياحة .. عندما تتحول أرض الحضارة إلى خريطة نزوح وألم
غزة الوجه المأساوي للسياحة .. عندما تتحول أرض الحضارة إلى خريطة نزوح وألم

غزة الوجه المأساوي للسياحة .. عندما تتحول أرض الحضارة إلى خريطة نزوح وألم

كتب – أحمد زكي : بينما يحتفل العالم سنويًا في 20 يونيو بـ”اليوم العالمي للاجئين”، تغيب غزة عن المشهد السياحي العالمي، لا بسبب قلة ما تمتلك من مقومات ثقافية وطبيعية، بل لكثرة ما تعاني من كوارث متلاحقة، تُطفئ أي بارقة أمل في أن تكون يومًا وجهة حياة.

هناك، حيث كان يفترض أن تستقبل شواطئها الزرقاء زوّار الصيف، تُستقبل الآن جثامين الشهداء. وحيث كانت الأزقة العتيقة تتنفس عبق التاريخ، أصبحت شرايين للنزوح والهرب من القصف. في غزة، لم تعد هناك مواسم سياحية؛ بل مواسم دمار ونزوح مستمر، حوّلت المدينة إلى جرحٍ مفتوح على الدوام.

غزة تاريخ سياحي مغيّب تحت ركام الحرب

لطالما مثّلت غزة موقعًا استراتيجيًا على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، ومفترق طرق تجاري وثقافي منذ آلاف السنين. من الكنعانيين إلى الفاطميين، ومن العثمانيين إلى الانتداب البريطاني، تراكمت في غزة طبقات من الحضارة والعمارة والفن.

المعالم التراثية مثل جامع السيد هاشم، وحمام السمرة، وموقع أنتلينوس الروماني، ظلّت شاهدة على عراقة هذه المدينة. غير أن القصف المتكرر، وغياب الترميم، والحصار الخانق، وضعها جميعًا في دائرة التهديد والاندثار.

غزة لم تكن يومًا تفتقر إلى مقومات الجذب السياحي، بل كانت تفتقر إلى السلام الذي يسمح لها بتقديم تلك المقومات للعالم. وبدلًا من أن تكون بوابة للسياحة الثقافية في فلسطين، أُغلقت أبوابها، وتحولت من مدينة آثار إلى مدينة أنقاض

عندما يتحول “كيس الطحين” إلى تذكرة موت.

في مشهدٍ يجسّد الانهيار الكامل للمنظومة الإنسانية، تجمع آلاف المواطنين في مركز لتوزيع المساعدات تابع لبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، بحثًا عن كيس طحين يسد رمق أطفالهم. وانتهى بهم المطاف بين الشهداء والجرحى، حيث سقط أكثر من 50 شهيدًا وأصيب المئات، في واحدة من أكثر الحوادث دموية منذ بدء العدوان الأخير.
تقول أم خالد، نازحة من مخيم الشاطئ وقفنا من الفجر ننتظر، لا نريد سوى كيس دقيق، ثم جاءت القذائف. صرخت ابنتي: ماما، ماما لكنها كانت تنزف ولا أقدر على حملها.”
هذا المشهد يلخص واقعًا لا يُحتمل، حيث تحوّل الحصول على أبسط مقومات الحياة إلى مخاطرة يومية. لم يعد هناك طعام كافٍ، ولا دواء، ولا حتى مياه شرب نظيفة، وكل محاولة للحصول على شيء منها قد تكلّف المرء حياته.

الخرائط السياحية مقابل خرائط النزوح.

في العادة، تُرسم الخرائط السياحية لتحديد مواقع الجذب الثقافي والترفيهي. أما في غزة، فتُرسم خرائط النزوح، وتُحدَّث كل أسبوع تقريبًا. ووفقًا لتقارير وكالة “الأونروا”، شُرّد أكثر من 665,000 شخص من بيوتهم، بعضهم للمرة الثالثة أو الرابعة خلال أشهر معدودة.
المدارس تحولت إلى مراكز إيواء. الممرات بين الخيام أصبحت شوارع افتراضية لمدن لاجئين داخل المدينة المحاصرة. المستشفيات امتلأت بالنازحين بدلًا من المرضى، وخرجت عن الخدمة في ظل انقطاع الكهرباء والدواء.

يروي عيسى منصور، مرشد سياحي سابق من حي الرمال ،كنتُ آخذ الزوّار لرؤية أسواق غزة القديمة، الآن أتنقل بين الملاجئ أبحث عن أقارب فقدنا أخبارهم. صارت شوارع المدينة كأنها خارطة نزوح متحركة.”

غزة اليوم لا تستقبل سائحًا، بل تودع شهيدًا، ولا تصدر كتيبات سياحية، بل بيانات استغاثة.

وجه غزة الثقافي إرث مهدد بالاندثار.

رغم الدمار، لم تُطفأ جذوة الحياة الثقافية في غزة. الفنون، والحرف التقليدية، والكتابة، كلها ما زالت تُمارَس كمقاومة رمزية. هناك رسامون يرسمون على الجدران المهشّمة وجوه الشهداء، وكتّاب يوثّقون ما يجري في يوميات لم تُنشر بعد، لكنها ستصبح ذات يوم أدلة على ما جرى هنا.

يقول الفنان التشكيلي نضال الشرافي ،منذ بدء العدوان، أرسم على الركام. هذه الجدران لا تقول الحقيقة فقط، بل تصرخ بها. غزة ليست فقط ضحية، هي أيضًا قصة، ولوحاتها هي الشاهد الأخير.

الأسواق القديمة، المشغولات اليدوية، المعمار العثماني، كلها باتت على شفا الاندثار. ومع كل غارة، تُفقد قطعة من ذاكرة المدينة، ويُنسى جانب من إرثها الذي كان يمكن أن يكون مصدر إلهام وسياحة مستدامة.

السياحة لا تنمو في مقابر الأطفال.

في عالم طبيعي، تُبنى السياحة على الترويج للحياة. في غزة، تُبنى كل يوم مقبرة جديدة. هناك، حيث يُفترض أن تُستقبل الوفود السياحية، تُنصَب خيام العزاء. وحيث يُفترض أن تعيش المدينة على إيقاع المهرجانات التراثية، تعيش على وتيرة الإنذارات والغارات.

إن العدوان المستمر، والحصار الطويل، والنزوح القسري، لا يُهدد فقط حاضر غزة، بل يهدد مستقبلها الثقافي والسياحي أيضًا. فمن دون حماية الإنسان، لا حماية للتراث. ومن دون حرية التنقل والحياة الآمنة، لا وجود لأي إمكانية لعودة غزة إلى مكانها المستحق على خريطة السياحة الإنسانية والثقافية.

إقرأ أيضاً :

وزيرة التضامن الاجتماعي تتابع تداعيات انهيار عقارين في حدائق القبة

 

شاهد أيضاً

مقاصد مصر الشاطئية تشهد إقبالاً سياحياً قياسياً وارتفاع في إشغالات الفنادق

مقاصد مصر الشاطئية تشهد إقبالاً سياحياً قياسياً وارتفاع في إشغالات الفنادق

كتبت – دعاء سمير : تشهد المقاصد السياحية الشاطئية المصرية على ساحل البحر الأحمر، مثل الغردقة ومرسى علم، …