كتب – أحمد زكي : في ظل الزخم السياسي الذي يسبق انتخابات مجلس الشيوخ المرتقبة بنهاية العام الجاري، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الملفات التي سيتبناها النواب الجدد، ومدى التزامهم بتفعيل أدوات التنمية الشاملة، لا سيّما في صعيد مصر، الذي ظل لعقود على هامش الخريطة السياحية الرسمية رغم ما يملكه من كنوز أثرية وطبيعية وتراثية قلّ نظيرها.
فهل ستكون السياحة الصعيدية، بما تحمله من فرص استثمارية واعدة، أحد المحاور الحيوية في برامج مرشحي المجلس الجديد؟ أم ستظل حبيسة التصريحات والمبادرات الموسمية؟
كنوز مهملة_ السياحة الصعيدية ومقوماتها الاستثنائية
يمتد الصعيد من محافظة بني سويف شمالًا إلى أسوان جنوبًا، مرورًا بكنوز أثرية في المنيا وقنا وسوهاج والأقصر، حيث تتجلى عظمة الحضارة المصرية القديمة. ورغم وجود مواقع مثل معابد الكرنك والأقصر وحتشبسوت وطيبة القديمة (المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي)، فإن الكثير من المناطق الأثرية في محافظات مثل قنا وسوهاج لا تزال مهملة أو غير مؤهلة سياحيًا.
وتتميز السياحة الصعيدية أيضًا بمقومات أخرى، منها.
التراث الشعبي الغني بالحِرف والفنون والموسيقى والزي التقليدي.
البيئة الطبيعية من جبال وكهوف ووديان، تصلح لسياحة المغامرات.
الروحانية في المقامات الصوفية والموالد الشعبية، التي يمكن توظيفها في مسار السياحة الدينية.
القرى التراثية التي تعكس شكل الحياة المصرية القديمة، ويمكن تأهيلها للنموذج العالمي للسياحة الريفية.
ماذا يقول الخبراء وأبناء الصعيد؟
أجمع عدد من الأكاديميين والمشتغلين بالقطاع السياحي في تصريحات خاصة، على أن غياب التخطيط الاستراتيجي، وتركّز الاستثمارات في مناطق بعينها مثل البحر الأحمر وجنوب سيناء، أدى إلى تجميد ملف السياحة الصعيدية لعقود.
يقول الدكتور مصطفى عبد الغني، أستاذ الآثار والسياحة بجامعة جنوب الوادي، لدينا في نجع حمادي وحدها عشرات المواقع الأثرية غير المستغلة، من المعابد الرومانية إلى أديرة قبطية فريدة، لكن لا يوجد ربط بينها وبين خارطة السياحة القومية، لا من ناحية البنية التحتية ولا الترويج.”
أما الحاج عبد التواب، من العاملين في السياحة النيلية بالأقصر، فيؤكد، السياح يأتون فقط للمناطق المعروفة، لكن القرى التي تمر بها المراكب فيها حياة وتراث، لماذا لا نقيم منصات ثقافية على النيل؟ لماذا لا نستثمر في المجتمعات الريفية نفسها بدلًا من استيراد تجربة سياحية من الخارج؟”
الملف الساخن هل يتبناه مرشحو مجلس الشيوخ؟
مع اقتراب الانتخابات البرلمانية لمجلس الشيوخ، يبرز هذا الملف كفرصة واختبار لمدى جدية المرشحين في تبني رؤية تنموية حقيقية خارج الشعارات.
وفي جولة على أبرز الحملات الانتخابية الجارية، لاحظنا أن بعض المرشحين من أبناء الصعيد بدؤوا بالفعل في الترويج لأفكار تتصل بالسياحة التراثية والدينية، لكن هذه المبادرات ما زالت فضفاضة وغير مدعومة بخطط قابلة للتنفيذ.
ويطرح مراقبون تساؤلات حول مدى فاعلية أعضاء الشيوخ، باعتبار المجلس جهة تشريعية واستشارية، في الضغط نحو تحويل ملف السياحة الصعيدية إلى مشروع قومي، خاصة وأن الدستور يتيح للمجلس تشكيل لجان نوعية، واقتراح قوانين وسياسات.
التوصيات والمطلوب من المجلس القادم
لتحقيق نقلة حقيقية في ملف السياحة الصعيدية، يُقترح أن يعمل مجلس الشيوخ الجديد على
1. تشكيل لجنة خاصة لدراسة واقع السياحة في الصعيد، ومخاطبة الجهات التنفيذية بخطط تطوير محددة.
2. اقتراح قانون خاص بالسياحة التراثية والريفية يراعي خصوصية الصعيد.
3. توجيه استثمارات الدولة والقطاع الخاص لإنشاء بنية تحتية سياحية (طرق، خدمات، مرشدين، نقاط أمنية).
4. إدراج مناطق أثرية في قنا وسوهاج والمنيا ضمن خارطة الترويج السياحي لمصر.
5. إشراك المجتمعات المحلية في برامج التدريب والعمل بالسياحة، لتعزيز الاستدامة.
فرصة أمام البرلمان الجديد أم محطة نسيان أخرى؟
لا تزال الفرصة قائمة أمام مجلس الشيوخ القادم لإعادة الاعتبار للصعيد، ليس فقط من باب العدالة التنموية، ولكن أيضًا من زاوية العائد الاقتصادي الكبير الذي يمكن أن تدرّه السياحة في تلك المناطق.
إن تبني ملف “السياحة الصعيدية” لن يكون مجرد إضافة لبرنامج انتخابي، بل سيكون معيارًا لفهم المرشح لدوره، وإخلاصه لقضايا مجتمعه، خاصة في لحظة سياسية فارقة تتطلب من نواب الغد أن يتحولوا من رجال وعود إلى رجال حلول.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر