كتب – أحمد زكي : في مشهد يغلفه الحزن والأسى، ودّع المئات من أهالي محافظة المنوفية جثمان الشاب محمود عبد الغني، أحد لاعبي رياضة “الفلاي بورد” البارزين في مصر، والذي لقي مصرعه أثناء ممارسته لهوايته المفضلة في مياه الغردقة.
الحادث المؤلم أعاد إلى الواجهة عددًا من التساؤلات حول سلامة ممارسي الرياضات المائية في المدن الساحلية المصرية، وحجم الاستعدادات اللازمة لحمايتهم، ومدى جاهزية منظومة السلامة السياحية في منتجعات البحر الأحمر. كما ألقى بظلاله على واقع السياحة الرياضية في مصر، والفرص الكامنة والمخاطر التي لا تزال قائمة.
مَن هو محمود عبد الغني؟
محمود عبد الغني، شاب عشريني من أبناء محافظة المنوفية، اشتهر بشغفه برياضة “الفلاي بورد” (Flyboard)، وهي رياضة مائية حديثة تعتمد على قوة دفع المياه لرفع اللاعب في الهواء، ويُعد من أوائل من برعوا فيها على مستوى البحر الأحمر.
أصدقاء محمود وصفوه بأنه “عاشق للبحر لا يفارق المياه”، وكان يحلم بتأسيس أكاديمية لتعليم الفلاي بورد في مصر، وتمثيل بلده في بطولات دولية. غير أن حلمه توقف فجأة، بعد أن لفظ أنفاسه الأخيرة إثر سقوط مفاجئ أثناء استعراض بحري بالغردقة، في واقعة هزّت قلوب أهله وزملائه ورواد البحر الأحمر.
الغردقة والحادث رياضة بطعم الفقد
بحسب مصادر محلية وشهود عيان، كان محمود يشارك في عرض استعراضي للسياح بأحد شواطئ الغردقة، حين تعرض لسقطة عنيفة أثناء ارتفاعه بالفلاي بورد، ما أدى إلى إصابته إصابة بالغة توفي على أثرها بعد نقله للمستشفى.
الحادث فتح النار على منظومة تأمين النشاطات المائية، التي شهدت في السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا في المنتجعات، دون وجود إطار تنظيمي واضح للرقابة أو التدريبات المعتمدة أو ضمانات السلامة، خصوصًا في الرياضات الخطرة مثل “الفلاي بورد”، و”الباراسيل”، و”الجيت سكي”.
ثغرات في منظومة السلامة المائية؟
في تحقيق أجرته المؤسسة المصرية لسلامة السائحين عام 2023، تبيّن أن 70% من مراكز الرياضات المائية العاملة في البحر الأحمر تعمل بتصاريح سياحية عامة، وليست رياضية تخصصية، ما يفتح باب الاجتهاد في مسائل التدريب والإشراف.
وفي تصريحات خاصة أدلى بها أحد مسؤولي غرفة الغوص والأنشطة البحرية بالغردقة، قال الواقعة مؤلمة، وتُحتم علينا مراجعة الإجراءات، هناك ضغط كبير من السوق السياحي على عروض الإثارة، وهذا قد يتجاوز أحيانًا قدرات الشباب ومراكز التدريب.
بينما أكد كابتن عصام فتحي، مدرب رياضات بحرية، أن الشباب مثل محمود هم ثروة وطنية، لكنهم يعملون غالبًا خارج إطار الحماية القانونية والتأمينية، ومعايير السلامة ليست دائمًا مفعّلة.
السياحة الرياضية في البحر الأحمر فرص واعدة وألغام خفية
في السنوات الأخيرة، تحوّلت مدن البحر الأحمر إلى قبلة للباحثين عن الرياضات المائية، خاصة الأجانب. إلا أن هذه الطفرة لم تُواكبها – وفق مراقبين – سياسات تأمين مدروسة، أو دعم من وزارة السياحة والاتحاد الرياضي للأنشطة البحرية.
وتقول الدكتورة مي عبد العليم، الباحثة في السياحة الرياضية سياحة المغامرات قد تكون موردًا اقتصاديًا ضخمًا، لكنها تتطلب قواعد صارمة كما هو معمول به عالميًا. يجب تأهيل المرشدين، وتدريب اللاعبين، وفرض رقابة على المعدات، ووضع خطة طوارئ في كل منشأة.
من جنازة إلى قضية رأي عام
الآلاف شيّعوا جثمان محمود عبد الغني في جنازة مؤثرة خرجت من مسقط رأسه في إحدى قرى محافظة المنوفية، وتحولت إلى ما يشبه المظاهرة الصامتة، رفع خلالها الأهالي صورًا له وهو يحلّق فوق الماء، وطالبوا بمحاسبة المسؤولين عن سلامته.
وفي مشهد مؤثر، قال والده كان ابني بيحب مصر والبحر مش معقول يموت عشان حلمه. مش طالبين غير الحق.
بين الحلم والخطرمن يحمي الحالمين؟
رحل محمود عبد الغني، لكن ظله سيبقى يرفرف فوق البحر الأحمر، كذكرى لشاب لم يتخلّ عن حلمه حتى النهاية.
الواقعة المؤلمة لا يجب أن تمر كسطر حزين في نشرة إخبارية، بل كناقوس خطر يدعو لتحرك سريع وشامل، من أجل إنقاذ شباب مصر من الإهمال، وتحويل شغفهم إلى طاقة سياحية آمنة ومنظمة.
فالسياحة لا تكتمل بالمشاهد الجميلة وحدها. بل بالأمان، والعدالة، وحق الحالمين في الحياة.




إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر