كتب – أحمد زكي : يشهد سوق العطور العالمي في الآونة الأخيرة نموًا استثنائيًا، ليتفوق بذلك على العديد من قطاعات منتجات الجمال الأخرى، بما في ذلك مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة. هذا التفوق لا يقتصر على الأرقام المالية فحسب، بل يمتد ليشمل تحولًا في سلوك المستهلكين ودور العطر في حياتهم اليومية. السر وراء هذا الازدهار يكمن، إلى حد كبير، في قدرة العطور على تحقيق “الجماهيرية” واختراق شرائح واسعة من المستهلكين، وتقديم تجربة تتجاوز مجرد الرائحة الطيبة.
لماذا تتفوق العطور؟
لطالما كانت منتجات الجمال، مثل المكياج وكريمات العناية بالبشرة، جزءًا أساسيًا من روتين الكثيرين. لكن العطور نجحت في تحقيق قفزة نوعية في شعبيتها لعدة أسباب جوهرية:
- الجاذبية العاطفية الفورية: العطر ليس مجرد منتج، بل هو تجربة حسية وعاطفية فورية. يمكن لرائحة معينة أن تستثير ذكريات، تعزز المزاج، أو تعبر عن شخصية الفرد بشكل لا يمكن لمنتجات الجمال الأخرى أن تضاهيه. هذه القدرة على الارتباط العاطفي العميق تجعل العطر سلعة ذات قيمة وجدانية عالية.
- إمكانية الوصول (الجماهيرية): على عكس المكياج الذي قد يتطلب مهارة في التطبيق أو العناية بالبشرة التي قد تكون معقدة بخطواتها المتعددة، فإن العطر سهل الاستخدام ونتائجه فورية ومرئية (أو بالأحرى محسوسة) للجميع. يمكن لأي شخص، بغض النظر عن جنسه أو عمره أو اهتماماته الجمالية، استخدام العطر والتمتع بفوائده.
- تعددية الاستخدامات: لم يعد العطر مخصصًا للمناسبات الخاصة فقط. أصبح جزءًا لا يتجزأ من الروتين اليومي، يستخدم في العمل، أثناء ممارسة الرياضة، أو حتى عند الاسترخاء في المنزل. هذا التوسع في استخداماته يزيد من الطلب عليه.
- التعبير عن الهوية الشخصية: أصبحت العطور وسيلة قوية للتعبير عن الذات. يختار الناس العطور التي تعكس شخصياتهم، أذواقهم، وحتى تطلعاتهم. هذا التوجه نحو “التخصيص” والهوية الشخصية يعزز من مكانة العطر كأداة لا غنى عنها.
- الملاءمة لمختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية: يتوفر سوق العطور على نطاق واسع من الأسعار، من العطور الاقتصادية إلى الفاخرة جدًا. هذا التنوع يجعله متاحًا لجميع شرائح المستهلكين، مما يوسع من قاعدته الجماهيرية.
دور “الجماهيرية” في التفوق:
مصطلح “الجماهيرية” هنا لا يعني بالضرورة رخص الثمن، بل يشير إلى القدرة على الانتشار والوصول إلى قطاعات واسعة من المستهلكين، وجعل المنتج جذابًا لهم لأسباب متنوعة. فالعطور الفاخرة جداً يمكن أن تكون جماهيرية في تأثيرها على الثقافة والاتجاهات، حتى لو لم تكن متاحة للجميع بالشراء.
- التسويق الرقمي والمؤثرون: لعبت وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرون دورًا كبيرًا في تعزيز جماهيرية العطور. أصبحت “مراجعات العطور” و”عطور اليوم” من المحتوى الشائع، مما يعرض هذه المنتجات لجمهور أوسع ويحفز الرغبة في الاقتناء.
ولقرون، لم يكن فن تنسيق العطور في الشرق الأوسط مجرد روائح، بل لغة للتعبير عن الفخامة والهوية، تعكس إبداعاً مستمراً وسعي الإنسان لصناعة تجربة عطرية شخصية. ومع صعود ما يعرف بـ«سميل ماكسنغ» (#smellmaxxing)، أصبح هذا الفن القديم أكثر من تقليد؛ فهو اليوم ظاهرة استهلاكية عالمية تقود النمو الاقتصادي في سوق العطور، وتتصدّر دبي المشهد كمركز إقليمي يربط بين التراث العطري والتجارة الحديثة.
سوق العطور العالمي يشهد نمواً يفوق معظم فئات الجمال الأخرى. فقد سجلت المنتجات الجماهيرية نمواً بنسبة 17% خلال النصف الأول من 2025، بينما ارتفعت الفئة بنسبة 6%، وفق بيانات شركة «سيركانا» (Circana). وتُقدّر قيمة السوق العالمي بنحو 77.73 مليار دولار في 2025، مع توقعات بنمو سنوي يفوق 5% خلال الأعوام المقبلة، ما يعكس الطلب المتزايد على العطور المبتكرة والمخصصة.
في ، خصوصاً دول الخليج، يُعد الإنفاق الفردي على العطور من الأعلى عالمياً، ما يجعل المنطقة محرّكاً حيوياً لهذه الصناعة. على سبيل المثال، يُتوقع أن يصل حجم سوقها إلى 910 ملايين دولار في 2025، بينما يبلغ حجم سوق المنطقة ككل 3.76 مليار دولار في 2024، مع نمو سنوي متوقع بنسبة 7.5% حتى 2034، وفق تقارير «موردور إنتليجنس» و«إكسبيرت ماركت ريسيرتش».
وعلى الرغم من أن المنطقة تمثل أقل من 5% من السوق العالمي، إلا أن تأثيرها التجاري والثقافي يفوق وزنها العددي بوضوح.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر