كتب – أحمد زكي : مع حلول شهر رمضان المبارك، لا تقتصر مظاهر الاحتفاء في مصر على الزينات والفوانيس والموائد العامرة، بل تمتد لتشمل طقوسًا غذائية متجذرة في الوجدان الجمعي، تتصدرها القطايف والكنافة بوصفهما أيقونتين للحلوى الرمضانية. وفي سياق التحولات الحديثة لصناعة السياحة، لم تعد هذه الحلويات مجرد أطباق تقليدية، بل تحولت إلى عنصر فاعل ضمن منظومة السياحة الثقافية وفنون الطهي (Gastronomy Tourism)، حيث باتت جزءًا من تجربة الزائر الباحث عن الأصالة والنكهة والتراث.
جذور تاريخية وهوية حضارية
تشير دراسات التراث الغذائي إلى أن الكنافة عُرفت في العصور الإسلامية المبكرة، ويُرجّح أنها ازدهرت في العصرين الأموي والفاطمي، بينما ارتبطت القطايف بالمجتمع المصري والشامي خلال العصر العباسي. وقد شهدت المدن التاريخية مثل القاهرة ودمشق تطورًا ملحوظًا في صناعة هذه الحلويات داخل الأسواق الشعبية والأحياء القديمة، لتصبح جزءًا من المشهد الرمضاني الذي يجذب الزوار حتى اليوم.
من المطبخ إلى المنتج السياحي
في ظل تنامي الاهتمام العالمي بسياحة الطعام، أصبحت الكنافة والقطايف عنصرين رئيسيين في البرامج السياحية خلال رمضان، حيث تنظم الفنادق والمطاعم التراثية موائد إفطار وسحور تقدم هذه الحلويات بوصفات تقليدية وحديثة. كما تُدرج بعض شركات السياحة جولات في الأسواق الشعبية مثل خان الخليلي، حيث يشاهد السائح عملية إعداد الكنافة الطازجة وصناعة القطايف أمامه، في تجربة حية تمزج بين التذوق والمشاهدة والتفاعل الثقافي.
وتعكس هذه الظاهرة ما يعرف بالسياحة القائمة على التراث غير المادي، إذ تمثل طرق إعداد الحلوى، وأدوات الطهي التقليدية، وأجواء البيع في الشوارع عناصر جذب بحد ذاتها، تساهم في إثراء التجربة السياحية وتعزيز مدة إقامة السائح.
البعد الاقتصادي والاجتماعي
تشكل صناعة الكنافة والقطايف خلال رمضان نشاطًا اقتصاديًا موسميًا واسع النطاق، ينعكس على حركة الأسواق والعمالة المؤقتة، ويدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لا سيما في المحافظات السياحية. كما تسهم هذه الحلوى في تعزيز صورة المقصد المصري كوجهة تجمع بين التاريخ والحياة اليومية النابضة.
القوة الناعمة والنكهة المحلية
تتجاوز الكنافة والقطايف كونهما طعامًا، لتصبحا جزءًا من القوة الناعمة المصرية، حيث تنقلان للزائر رسالة مفادها أن التجربة السياحية في رمضان ليست مجرد زيارة معالم أثرية، بل انغماس في تفاصيل الحياة وروح المجتمع. وفي مدن مثل الإسكندرية والأقصر، تكتسب الحلوى طابعًا محليًا خاصًا يعكس تنوع الذائقة وتعدد البيئات الثقافية داخل الدولة الواحدة.
يمكن النظر إلى القطايف والكنافة كمنتج سياحي ثقافي متكامل، يجمع بين التاريخ والاقتصاد والهوية. ومع تزايد الاهتمام العالمي بسياحة الطهي، تبرز الفرصة أمام المقصد المصري لتوظيف هذا التراث الرمضاني في تعزيز تنافسيته، عبر تنظيم مهرجانات للحلوى التقليدية، وتوثيق طرق إعدادها، وتسويقها ضمن الحملات الترويجية الدولية.
وهكذا، تبقى القطايف والكنافة في رمضان أكثر من مجرد حلوي إنهما حكاية وطن تُروى بطعم السكر وعبق التاريخ.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر