وكالات : تدخل أسواق الطاقة العالمية مرحلة جديدة من القلق مع تصاعد المخاوف من أزمة توريد حادة للديزل خلال فصل الشتاء المقبل، في ظل استمرار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط والهجمات التي تستهدف منشآت نفطية داخل روسيا، وهي تطورات لا تهدد قطاع الطاقة وحده، بل تفتح الباب أمام موجة جديدة من الضغوط على السفر والسياحة والنقل والفنادق والاستثمار السياحي حول العالم.
وتكتسب أزمة الديزل أهمية خاصة بالنسبة للقطاع السياحي، باعتبار أن الوقود يمثل أحد المكونات الأساسية في تكلفة حركة السائح، بداية من انتقاله من المطار إلى الفندق، مرورًا بالحافلات السياحية والسيارات وخدمات الإمداد والنقل الداخلي، وصولًا إلى تكلفة نقل الأغذية والسلع والمستلزمات التي تعتمد عليها المنشآت الفندقية.
وبحسب المعطيات المتداولة في أسواق الطاقة، فإن الاضطرابات في مضيق هرمز، إلى جانب استهداف البنية التحتية النفطية الروسية، أسهمت في تقليص صادرات إقليمية كانت توفر نحو ثلث المعروض العالمي من الديزل خلال العام الماضي، ما يرفع احتمالات اشتداد المنافسة على الشحنات المتاحة مع اقتراب موسم الشتاء.
السياحة أمام موجة جديدة من ارتفاع التكاليف
الخطر الأكبر بالنسبة للسياحة لا يكمن فقط في ارتفاع سعر لتر الديزل، وإنما في انتقال الزيادة إلى مختلف حلقات سلسلة القيمة السياحية.
فارتفاع أسعار الوقود يعني زيادة تكلفة تشغيل الحافلات السياحية وسيارات النقل، وارتفاع أسعار الشحن البري والبحري، فضلًا عن زيادة تكلفة نقل الأغذية والمشروبات والمستلزمات الفندقية من مناطق الإنتاج إلى المقاصد السياحية.
وبالتالي، فإن أي قفزة كبيرة في أسعار الديزل قد تدفع شركات السياحة والنقل والفنادق إلى إعادة تسعير خدماتها، وهو ما يمكن أن ينعكس في النهاية على سعر البرنامج السياحي الذي يدفعه السائح.
وتزداد حساسية الأسواق الأوروبية تحديدًا، باعتبارها من أكبر الأسواق المصدرة للسائحين عالميًا، وفي الوقت نفسه من أكثر المناطق اعتمادًا على واردات الطاقة والمنتجات النفطية.
أوروبا.. الحلقة الأكثر تعرضًا للضغط
تشير المؤشرات إلى أن أوروبا قد تكون الأكثر تأثرًا بأي نقص عالمي في الديزل، في ظل تراجع قدراتها التكريرية واعتمادها على واردات خارجية لتلبية جانب من احتياجاتها.
وتزداد خطورة الموقف مع دخول الشتاء، حيث يرتفع الطلب على الديزل في قطاعات النقل والصناعة والتدفئة، ما يعني أن قطاع السياحة لن يكون وحده في سباق الحصول على الوقود.
وفي حال استمرار نقص الإمدادات، قد تجد شركات النقل السياحي نفسها أمام تكاليف تشغيل أعلى، بينما تواجه الفنادق والمطاعم ضغوطًا إضافية بسبب ارتفاع تكلفة نقل المواد الغذائية والمستلزمات، وهو ما قد يدفع بعض المنشآت إلى محاولة تعويض جزء من هذه الزيادة من خلال الأسعار.
وتكشف هذه التطورات أن أسعار الطاقة أصبحت عنصرًا مباشرًا في القدرة التنافسية للمقاصد السياحية، وليس مجرد ملف اقتصادي منفصل عن القطاع.
من الوقود إلى سعر الغرفة الفندقية
تأثير أزمة الديزل يمكن أن يصل إلى القطاع الفندقي بصورة غير مباشرة ولكن واسعة.
فالفندق لا يدفع فقط تكلفة الوقود المستخدم في سياراته أو حافلاته، وإنما يتحمل أيضًا تكلفة نقل المواد الغذائية، والمياه والمستلزمات، وخدمات الصيانة، والنقل اللوجستي، فضلًا عن التأثير المحتمل على أسعار بعض الخدمات المرتبطة بالطاقة.
وفي الأسواق التي تعتمد بصورة كبيرة على النقل البري، يمكن أن تصبح المسافة بين المطار والمقصد السياحي عاملًا مؤثرًا في تكلفة البرنامج.
وهنا قد تتجه شركات السياحة إلى تفضيل المقاصد الأقرب إلى المطارات أو التي تمتلك بنية نقل أكثر كفاءة، بينما يمكن أن تستفيد المدن والمناطق التي تمتلك شبكات نقل جماعي حديثة من قدرتها على تخفيف أثر ارتفاع تكلفة الوقود.
السياحة الطويلة قد تواجه اختبارًا جديدًا
البرامج السياحية التي تعتمد على الانتقال بين أكثر من مدينة أو مقصد قد تكون الأكثر تعرضًا لتأثير أزمة الديزل.
فكلما زادت المسافات البرية وتعددت نقاط التوقف، ارتفعت حساسية تكلفة الرحلة تجاه الوقود.
وقد يدفع ذلك منظمي الرحلات إلى إعادة تصميم البرامج السياحية، عبر تقليل المسافات، وزيادة الاعتماد على القطارات والنقل الجماعي، أو الجمع بين النقل الجوي والوسائل البرية الأكثر كفاءة.
كما يمكن أن تشهد بعض الأسواق نموًا في الطلب على الرحلات التي تعتمد على الإقامة في مقصد واحد لفترات أطول بدلًا من البرامج المتنقلة، خاصة إذا أصبحت تكلفة التنقل بين المدن عنصرًا مؤثرًا في السعر النهائي.
الوقود يعيد رسم خريطة الاستثمار السياحي
الأزمة المحتملة تحمل كذلك رسالة مهمة للمستثمرين في القطاع السياحي، مفادها أن كفاءة الطاقة والنقل أصبحت جزءًا أساسيًا من دراسة جدوى أي مشروع فندقي أو سياحي.
فالمستثمر الذي يخطط لإنشاء فندق بعيد عن مراكز النقل أو يعتمد على حركة برية كثيفة لنقل النزلاء والمستلزمات، قد يواجه تكاليف تشغيل أعلى مقارنة بمشروع يمتلك اتصالًا جيدًا بشبكات النقل العام أو يقع بالقرب من المطارات والموانئ ومحاور الحركة الرئيسية.
كما قد تتزايد أهمية الاستثمارات في النقل السياحي منخفض الاستهلاك، والحافلات الحديثة، والمركبات الكهربائية والهجينة، ومشروعات الطاقة المتجددة داخل المنشآت الفندقية.
وبذلك تتحول أزمة الوقود من تهديد قصير الأجل إلى عامل يمكن أن يسرّع تحول صناعة السياحة نحو نماذج تشغيل أكثر كفاءة وأقل اعتمادًا على الوقود التقليدي.
قفزة الديزل تسبق الشتاء
وتعكس حركة الأسواق حجم المخاوف المتصاعدة، إذ ارتفعت أسعار الديزل في عقود بورصة «ICE Futures Europe» بنحو 40% مقارنة بأدنى مستوياتها المسجلة في 18 يونيو الماضي، في حين ارتفع خام برنت بنحو 5% خلال الفترة نفسها.
وفي الوقت ذاته، تراجعت مخزونات الديزل الأوروبية بنحو 30% منذ نهاية مارس، وفق المعطيات الواردة، لتصبح مستويات التخزين عنصرًا إضافيًا في معادلة القلق قبل دخول موسم البرد.
وتكمن المشكلة في أن الولايات المتحدة وآسيا قد لا تتمكنان من توفير كميات تعويضية ضخمة لأوروبا، خصوصًا إذا ارتفع الطلب المحلي في أسواقهما خلال الشتاء.
وبالتالي، فإن أي زيادة إضافية في الطلب العالمي قد تعني منافسة أكبر على الشحنات المتاحة، وارتفاعًا جديدًا في تكاليف النقل والشحن.
هل تنتقل الأزمة إلى أسعار الرحلات؟
الإجابة ستتوقف على مدة الأزمة وحجم الارتفاع في أسعار الوقود ومدى قدرة شركات النقل والمصافي على زيادة الإمدادات.
لكن من المرجح أن تواجه شركات السياحة والنقل ضغوطًا متزايدة إذا استمرت الأسعار المرتفعة لفترة طويلة، خاصة أن هامش المناورة لديها محدود في ظل المنافسة الشديدة بين المقاصد السياحية.
وقد تظهر التأثيرات أولًا في أسعار النقل الداخلي والبرامج السياحية البرية، قبل أن تنتقل بصورة غير مباشرة إلى أسعار الإقامة والخدمات السياحية.
وفي المقابل، قد تحاول الشركات استيعاب جزء من الزيادة للحفاظ على قدرتها التنافسية، ما يعني ضغطًا على هوامش أرباحها واستثماراتها.
مصر والمقاصد ذات الطاقة المتنوعة أمام فرصة
وبالنسبة للمقاصد السياحية التي تمتلك مزيجًا متنوعًا من مصادر الطاقة وشبكات نقل متطورة، فإن الأزمة يمكن أن تتحول إلى فرصة تنافسية.
فكلما نجحت المقاصد في خفض استهلاك الوقود التقليدي، وتوسيع الاعتماد على الطاقة الشمسية والطاقة النظيفة، وتحسين كفاءة النقل السياحي، أصبحت أكثر قدرة على حماية أسعار خدماتها في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة.
وتملك مصر، على سبيل المثال، مقومات مهمة في هذا الاتجاه، خاصة مع تنامي الاستثمارات في الطاقة المتجددة، وتوسع المقاصد السياحية الجديدة، ووجود مشروعات لتطوير البنية التحتية والنقل.
وتبرز أهمية ذلك بالنسبة لمقاصد البحر الأحمر وجنوب سيناء والساحل الشمالي وغيرها، حيث يمكن أن تصبح كفاءة الطاقة والنقل عنصرًا جديدًا في تسويق الوجهة، إلى جانب الشواطئ والمعالم الطبيعية والثقافية.
الشتاء.. اختبار جديد لصناعة السفر
لم تعد أسعار الوقود قضية تخص شركات النفط والمصافي والحكومات فقط، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في قرار السائح، وسعر تذكرة السفر، وتكلفة النقل، وسعر الغرفة الفندقية، وربحية شركات السياحة، وجدوى الاستثمارات الجديدة.
ومن هنا، فإن أزمة الديزل المحتملة قد تفرض على صناعة السفر العالمية إعادة النظر في نماذج التشغيل، والتوسع في النقل الأكثر كفاءة، وتقليل الاعتماد على الرحلات البرية الطويلة، والاستثمار في الطاقة النظيفة.
وفي النهاية، قد يكون التأثير الأكبر للأزمة ليس في عدد الرحلات التي ستلغى، وإنما في إعادة رسم خريطة السياحة العالمية وفق معيار جديد: كم تكلف حركة السائح من الطاقة قبل أن يصل إلى وجهته؟
ففي سوق سياحية شديدة المنافسة، قد يصبح المقصد الأكثر قدرة على السيطرة على فاتورة الطاقة هو المقصد الأكثر قدرة على الحفاظ على أسعاره، وجذب السائح، وحماية استثماراته الفندقية والسياحية خلال السنوات المقبلة.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر