كتبت – مروة الشريف – وكالات : لم تعد عودة مطار الخرطوم الدولي إلى العمل الكامل مجرد مطلب يتعلق بتسهيل سفر السودانيين، وإنما أصبحت أحد المفاتيح الرئيسية لإعادة تشغيل الاقتصاد واستعادة الحركة السياحية والاستثمارية في العاصمة السودانية، بعد أن بدأت مؤشرات التعافي تظهر مع استكمال جانب مهم من التجهيزات الفنية والتشغيلية وبدء تسيير رحلات إلى عدد من الوجهات الداخلية والخارجية.
ويحمل تشغيل المطار بصورة منتظمة أهمية تتجاوز حركة الطائرات، إذ يرتبط مباشرة بعودة الفنادق ووكالات السفر وشركات السياحة والمطاعم والخدمات التجارية إلى دائرة النشاط، فضلًا عن تسهيل حركة رجال الأعمال والمستثمرين والزوار، وإعادة الخرطوم تدريجيًا إلى شبكة السفر الإقليمية والدولية.
مطار الخرطوم.. أكثر من بوابة للسفر
يمثل مطار الخرطوم البوابة الجوية الرئيسية للسودان، ولذلك فإن استعادة دوره الطبيعي تعني إعادة فتح أحد أهم شرايين الاتصال بين البلاد والأسواق الخارجية.
وخلال الفترة الماضية، اضطر المسافرون إلى الاعتماد على مطارات بعيدة عن العاصمة، وهو ما أدى إلى زيادة الوقت والتكلفة المرتبطة بالرحلات، وأوجد تحديات إضافية أمام المواطنين ورجال الأعمال والطلاب والمرضى والمسافرين لأغراض السياحة.
ومع عودة الرحلات إلى الخرطوم، يمكن أن تتراجع هذه الأعباء تدريجيًا، خاصة إذا توسعت شركات الطيران في تشغيل الرحلات المباشرة وربط العاصمة بمراكز السفر الرئيسية في المنطقة.
السياحة أول المستفيدين
عودة مطار العاصمة تمثل فرصة لإعادة رسم خريطة السياحة السودانية، خصوصًا أن الوصول الجوي يمثل عنصرًا أساسيًا في قدرة أي مقصد على جذب الزائرين.
فالسائح الأجنبي أو العربي يحتاج إلى شبكة طيران مستقرة ومواعيد منتظمة حتى يتمكن من التخطيط لرحلته، بينما تمثل سهولة الوصول أحد أهم العوامل التي تحدد قدرة الوجهة على المنافسة.
ومن هنا، فإن انتظام تشغيل مطار الخرطوم يمكن أن يمهد لعودة شركات السياحة إلى تنظيم البرامج، وإعادة بناء الشراكات مع منظمي الرحلات في الأسواق الخارجية، واستعادة الحركة السياحية تدريجيًا.
كما يمكن أن تستفيد الخرطوم من موقعها كنقطة انطلاق لبرامج تجمع بين السياحة الثقافية والتاريخية والطبيعية، مع إمكانية ربط العاصمة بالمواقع السياحية في الولايات المختلفة عبر شبكة من الرحلات الداخلية.
الفنادق تنتظر عودة الحركة
ولا يمكن فصل مستقبل مطار الخرطوم عن مستقبل القطاع الفندقي.
فالفنادق تعتمد بصورة كبيرة على حركة المسافرين والزوار ورجال الأعمال والمؤتمرات والفعاليات الدولية، وكلما ارتفعت حركة الوصول إلى العاصمة، زادت فرص عودة الإشغال الفندقي وتحسن الطلب على خدمات الإقامة والمطاعم والنقل السياحي.
وتصبح عودة المطار بالتالي جزءًا من منظومة متكاملة لإعادة تشغيل القطاع السياحي، تبدأ من الطائرة ولا تنتهي عند الفندق، وإنما تشمل شركات النقل والمرشدين السياحيين والمطاعم ومراكز التسوق والخدمات الترفيهية.
الاستثمار يحتاج إلى مطار يعمل بكفاءة
ومن المنظور الاستثماري، يمثل انتظام حركة الطيران عاملًا أساسيًا في تقييم أي سوق سياحية.
فالمستثمر الفندقي لا ينظر فقط إلى توافر الأراضي أو حجم الطلب المحتمل، وإنما يدرس كذلك سهولة الوصول إلى المشروع، واستقرار الرحلات، وقدرة شركات الطيران على نقل النزلاء، ومدى ارتباط الوجهة بالأسواق الإقليمية والدولية.
وبالتالي فإن تشغيل مطار الخرطوم بكفاءة يمكن أن يشكل رسالة إيجابية للمستثمرين بأن البنية الأساسية الحيوية في العاصمة بدأت تستعيد وظائفها، وهو ما قد يساعد مستقبلًا في جذب استثمارات جديدة إلى الفنادق والمنشآت السياحية والخدمات المرتبطة بالسفر.
الخرطوم بحاجة إلى «خريطة طيران» جديدة
لكن التحدي لا يتعلق فقط بفتح أبواب المطار، وإنما ببناء شبكة تشغيل قادرة على استعادة مكانة الخرطوم تدريجيًا.
وهنا تبرز أهمية وضع خطة واضحة لتوسيع الرحلات الداخلية والدولية، واستعادة الخطوط الجوية التي كانت تربط العاصمة السودانية بمراكز اقتصادية وسياحية مهمة في المنطقة، إلى جانب توفير حوافز لشركات الطيران التي تستهدف إعادة تشغيل خطوطها إلى السودان.
كما أن تعزيز الرحلات الداخلية سيكون ضروريًا لربط الخرطوم بالمقاصد السياحية في الولايات، بحيث تتحول عودة المطار إلى منصة لتحريك السياحة الداخلية وليس فقط تسهيل السفر الدولي.
وكالات السفر أمام فرصة جديدة
ومن القطاعات التي يمكن أن تستفيد سريعًا من عودة المطار شركات السياحة ووكالات السفر.
فاستقرار الرحلات يتيح لهذه الشركات إعادة بناء برامجها السياحية، وتطوير منتجات جديدة، والتعاون مع الفنادق ومقدمي الخدمات المحليين، فضلًا عن استعادة التعامل مع شركات الطيران ومنظمي الرحلات الدوليين.
كما يمكن للمرحلة المقبلة أن تشهد ظهور منتجات سياحية جديدة تقوم على التجارب المحلية، مثل السياحة الثقافية والتراثية وسياحة الطبيعة والمغامرات، بما يتيح للسودان تنويع مصادر الطلب السياحي وعدم الاعتماد على نمط واحد من الزوار.
السلامة أولًا.. ثم العودة الكاملة
ورغم أهمية الإسراع في استعادة المطار، فإن العودة الكاملة يجب أن تتم وفق خطة مرتبطة بصورة صارمة بمعايير السلامة والأمن والتشغيل.
وتحتاج هذه المرحلة إلى تنسيق مباشر بين سلطات الطيران المدني والجهات الأمنية والحكومية وشركات الطيران والجهات المسؤولة عن إدارة المطار، مع الإعلان عن جدول واضح للعودة التدريجية كلما اكتملت المتطلبات الفنية والتشغيلية.
فالعودة المستدامة أهم من العودة السريعة، لأن استقرار التشغيل وبناء ثقة شركات الطيران والمسافرين يحتاجان إلى انتظام الرحلات ووضوح الإجراءات وارتفاع مستوى الخدمات.
المطار كإشارة إلى عودة الحياة
وتحمل عودة مطار الخرطوم كذلك قيمة رمزية كبيرة، إذ إن المطار يمثل في أي عاصمة أكثر من مجرد منشأة لاستقبال الطائرات؛ فهو نقطة الاتصال الأولى بين الدولة والعالم.
ولهذا فإن استعادة نشاطه يمكن أن تعطي رسالة إلى المستثمرين وشركات الطيران والسياح بأن الخرطوم تستعيد تدريجيًا قدرتها على استقبال العالم، وأن عملية إعادة البناء لا تقتصر على الطرق والمنشآت، وإنما تشمل إعادة تشغيل شبكة الاتصال الاقتصادي والإنساني.
وفي حال تزامنت عودة المطار مع استعادة الخدمات الأساسية وتحسين البنية التحتية وإعادة تأهيل الفنادق والمرافق السياحية، يمكن أن تتحول الخرطوم تدريجيًا إلى مركز لإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية في السودان.
عودة المطار.. بداية وليست نهاية
السؤال الآن لم يعد ما إذا كان مطار الخرطوم سيعود، وإنما كيف يمكن تحويل العودة الجزئية للرحلات إلى تشغيل منتظم وشامل يحقق أكبر عائد اقتصادي وسياحي ممكن.
فالمطلوب ليس مجرد عودة الطائرات، وإنما استعادة منظومة السفر كاملة: مطار يعمل بكفاءة، وشركات طيران منتظمة، ووكالات سفر نشطة، وفنادق مستعدة لاستقبال الزوار، ونقل سياحي قادر على خدمة المقاصد، ومنتجات سياحية قابلة للتسويق والاستثمار.
ومن هذه الزاوية، فإن مطار الخرطوم يمكن أن يصبح أحد أهم محركات التعافي الاقتصادي والسياحي في السودان، لأن كل رحلة تصل إلى العاصمة لا تحمل مسافرين فقط، وإنما تحمل معها فرصًا للفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والاستثمار.
مطار الخرطوم ليس مجرد مدرجات وصالات سفر.. إنه بوابة السودان إلى الأسواق والسياح والمستثمرين، وعودة تشغيله بكفاءة يمكن أن تكون واحدة من أهم علامات عودة الحياة الاقتصادية إلى العاصمة.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر