كتبت – مروة السيد : لا تبدو الفيضانات والانهيارات الأرضية التي تضرب الفلبين مجرد أزمة طقس عابرة، بعدما خلفت ما لا يقل عن 8 وفيات وأصابت 9 أشخاص، فيما لا يزال شخص آخر مفقودًا، بالتزامن مع استمرار الأمطار الغزيرة والعواصف الاستوائية والرياح الموسمية التي تضرب مناطق واسعة من البلاد.
وبعيدًا عن الخسائر الإنسانية المباشرة، تفتح التطورات الأخيرة ملفًا أكثر اتساعًا يتعلق بمستقبل السياحة والفنادق والاستثمار في المناطق الساحلية والجبلية بالفلبين، وهي قطاعات ترتبط بصورة وثيقة باستقرار الطقس وسلامة البنية التحتية واستمرارية حركة النقل.
وأفادت السلطات بأن أكثر من 750 ألف شخص تضرروا من الأحوال الجوية السيئة، فيما اضطر أكثر من 8 آلاف شخص إلى اللجوء لمراكز الإيواء، بينما أغلقت مدارس في عدد من المناطق وتعطلت خدمات العبارات، في مؤشر على حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه الظروف المناخية القاسية على حركة السكان والزائرين في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على شبكات النقل البحري والجوي والطرق الداخلية.
السياحة الساحلية أمام اختبار المناخ
تمثل الفلبين واحدة من أبرز الوجهات السياحية في جنوب شرق آسيا، بفضل جزرها وشواطئها ومنتجعاتها ومقاصدها الطبيعية، وهو ما يجعل السياحة الساحلية عنصرًا رئيسيًا في منظومة الاقتصاد السياحي.
لكن هذه الميزة الطبيعية نفسها تجعل أجزاء من القطاع السياحي أكثر عرضة للتأثر بالعواصف والفيضانات وارتفاع الأمواج والانهيارات الأرضية، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على الطرق الجبلية أو العبارات للوصول إلى المنتجعات والجزر.
وتكشف الأزمة الحالية أن قدرة الوجهة السياحية على جذب الزائر لم تعد مرتبطة فقط بجمال الشاطئ أو جودة الفندق، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرة البنية التحتية على العمل في الظروف الجوية الصعبة.
الفنادق مطالبة بإعادة حساب المخاطر
وتضع موجات الطقس العنيف المستثمرين في القطاع الفندقي أمام معادلة جديدة؛ إذ لم يعد اختيار موقع المشروع يعتمد فقط على القرب من البحر أو الإطلالات الطبيعية، وإنما يتطلب دراسة مخاطر السيول والانهيارات الأرضية ومدى قدرة المنطقة على الوصول إليها حال حدوث أزمة.
وتدفع مثل هذه الظروف باتجاه زيادة الاعتماد على معايير البناء المقاومة للكوارث، وأنظمة تصريف مياه الأمطار، ومولدات الطاقة الاحتياطية، ومخزون الطوارئ، وخطط الإخلاء والتواصل السريع مع النزلاء.
كما أن الفنادق والمنتجعات مطالبة بتطوير خطط تشغيل مرنة تسمح بالتعامل مع إلغاء الرحلات أو تعطل العبارات والطرق، وتوفير بدائل للنزلاء الذين قد يجدون أنفسهم عالقين في وجهة سياحية بسبب الأحوال الجوية.
النقل البحري.. الحلقة الأكثر حساسية
ويكتسب تعطّل خدمات العبارات أهمية خاصة بالنسبة للسياحة الفلبينية، نظرًا للطبيعة الجغرافية للبلاد التي تتكون من آلاف الجزر.
فالسائح الذي يخطط لرحلة تجمع بين أكثر من جزيرة يعتمد على شبكة نقل متكاملة، وأي توقف للعبارات أو إغلاق الطرق قد يؤدي إلى إرباك برامج الرحلات، وإلغاء الحجوزات، وتأجيل الزيارات، وارتفاع تكاليف النقل والإقامة.
ومن هنا، فإن تطوير السياحة في الفلبين خلال السنوات المقبلة يحتاج إلى ربط خطط التوسع السياحي باستثمارات موازية في الموانئ وشبكات الطرق وأنظمة الإنذار المبكر، بما يقلل من أثر الظروف الجوية على حركة السياح.
الإنذار المبكر يتحول إلى أصل سياحي
ومع توقع هيئة الأرصاد هطول مزيد من الأمطار الغزيرة، تبرز أهمية أنظمة الإنذار المبكر ليس باعتبارها أداة لإدارة الكوارث فقط، وإنما كجزء من البنية الأساسية للوجهة السياحية.
فالفنادق وشركات السياحة وشركات الطيران والنقل البحري تحتاج إلى الحصول على معلومات مناخية دقيقة وفي الوقت المناسب لاتخاذ قرارات تتعلق بتسيير الرحلات أو تعديل برامج السياح أو إغلاق بعض الأنشطة مؤقتًا.
كما يمكن أن تساعد البيانات المناخية المتقدمة في تحديد الفترات الأكثر ملاءمة للسفر، وإدارة الطلب السياحي موسميًا، وتجنب تحميل البنية التحتية أعدادًا ضخمة من الزائرين خلال الفترات الأعلى خطورة.
الاستثمار السياحي يتغير تحت ضغط المناخ
وتشير الأزمة إلى تحول مهم في مفهوم الاستثمار السياحي؛ فالمشروع الناجح لم يعد بالضرورة هو المشروع الذي يقع في أجمل منطقة طبيعية، بل المشروع القادر على الاستمرار عندما تتغير الظروف.
ويعني ذلك أن الاستثمارات الجديدة في المنتجعات والفنادق والمرافق الترفيهية تحتاج إلى دمج مفهوم المرونة المناخية منذ مرحلة التصميم، بدلًا من انتظار وقوع الكارثة ثم البحث عن حلول مكلفة.
كما يمكن أن تتحول الاستثمارات في حماية المنشآت السياحية من الفيضانات والانهيارات إلى فرصة لخلق قطاع جديد من الخدمات الهندسية والتقنية المتخصصة في تأمين الوجهات السياحية.
السياحة المستدامة لم تعد شعارًا
وتمنح التطورات الأخيرة مفهوم السياحة المستدامة مضمونًا عمليًا أكثر وضوحًا؛ فحماية البيئة الطبيعية لا تعني فقط الحفاظ على الشواطئ والغابات والمناطق الجبلية، وإنما حماية المجتمعات المحلية والبنية التحتية التي تقوم عليها صناعة السياحة.
وتحتاج الفلبين إلى بناء نموذج سياحي يوازن بين التوسع في أعداد الزائرين وبين قدرة المناطق المختلفة على تحمل المخاطر المناخية، خصوصًا أن استمرار الفيضانات والعواصف قد يفرض تكاليف إضافية على الحكومات والمستثمرين والمجتمعات المحلية.
رسالة إلى المستثمر والسائح
وتحمل الفيضانات الحالية رسالة مزدوجة إلى صناعة السياحة الفلبينية: السائح يريد وجهة آمنة، والمستثمر يريد مشروعًا قادرًا على الصمود.
وبين هذين الشرطين، يصبح الاستثمار في البنية التحتية والإنذار المبكر والبناء الآمن والنقل المرن جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الترويج السياحي، وليس مجرد ملف خاص بإدارة الأزمات.
فالفلبين تمتلك من المقومات الطبيعية ما يجعلها قادرة على مواصلة المنافسة على خريطة السياحة الآسيوية، لكن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب التعامل مع تغيرات الطقس باعتبارها أحد محددات مستقبل القطاع.
وفي النهاية، فإن سقوط 8 ضحايا وتضرر أكثر من 750 ألف شخص ليس مجرد رقم في حصيلة كارثة طبيعية، بل مؤشر اقتصادي وسياحي على ضرورة إعادة النظر في قدرة الوجهات السياحية على مواجهة المناخ المتطرف.
فمستقبل السياحة في الفلبين لن يتحدد فقط بجمال جزرها وشواطئها، وإنما بقدرتها على جعل هذه الوجهات أكثر أمانًا ومرونة واستدامة أمام تغيرات المناخ.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر