وكالات:
لا يعرف سكان مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا على من يلقون باللائمة في اختفاء أسماك القرش الأبيض قبالة سواحلهم… هل يوجهون أصابع الاتهام إلى الحيتان القاتلة التي تتغذى على القروش، أم إلى الصيادين المحليين الذين يبيعون لحومها إلى المطاعم في أستراليا، أم أن الأمر يرجع إلى التغيرات البيئية التدريجية؟
ويقول علماء وعاملون في مجال أنشطة السياحة البحرية إن القرش الأبيض، وهو أكبر سمكة مفترسة في العالم، لم يظهر مطلقا في خليج “فولس” قبالة السواحل الشرقية للمدينة هذا العام.
وقد يكون هذا الغياب مؤقتا، إلا أن الظاهرة تثير القلق، نظرا لأن هذه السمكة تمثل عنصرا أساسيا لصناعة السياحة في جنوب أفريقيا والتي تدر قرابة 2.6 مليار دولار على اقتصاد البلاد.
ونقلت وكالة “بلومبرج” للأنباء عن جريج أولوفسي، وهو مسؤول في مجال شؤون الشواطئ بكيب تاونن القول: “عدم ظهور القرش الأبيض مسألة غير مسبوقة… والتفكير في عدم وجودها هنا بعد الآن أمر مأساوي، لأن هذه الأسماك لها مكانة أساسية في رسم هوية كيب تاون”.
ودفع اختفاء القرش الأبيض من خليج فولس، الذي كان من قبل يشتهر بمشاهد القروش وهي تتقافز على صفحة مياهه لاقتناص الفقمات البحرية، سلطات المدينة إلى إصدار بيان صحفي في أغسطس الماضي لتعلن عن اختفاء القروش، وهو ما يعكس قلق مسؤولي الدولة من هذه الظاهرة.
وتدعم أسماك القرش الأبيض، التي يمكن أن يصل وزن الواحدة منها إلى طنين، صناعة الغوص داخل أقفاص لمشاهدة الكائنات البحرية، والتي توفر فرص عمل لنحو 750 شخصا من سكان المدينة، بحسب ما ذكرته إحدى شركات السياحة في كيب تاون، وهناك مخاوف من أن يتجه آلاف السائحين المهتمين بمشاهدة القروش البحرية قبالة سواحل كيب تاون إلى أماكن أخرى لإشباع هوايتهم.
ويقول مسؤولو الرصد، الذين تم تكليفهم بمراقبة شواطئ كيب تاون قبل 14 عاما، بعد حدوث سلسلة هجمات مميتة من أسماك القرش، لم يشاهدوا ولو واحدة من أسماك القرش الأبيض في عام 201، بعد أن كان عدد الأسماك التي يتم رصدها سنويا في الفترة بين عام 2010 و2016 يبلغ في المتوسط 205 أسماك.
وتراجع عدد القروش التي شوهدت العام الماضي إلى خمسين فقط، كما لوحظ أن أجسام الحيتان النافقة التي تجرفها الأمواج إلى الشاطئ لا تحتوي على أي آثار لقضمات القروش، وهي ظاهرة غير معتادة.
وتقول الشركات الثلاث المسؤولة عن أنشطة الغوص داخل أقفاص في خليج فولس، حيث تقوم بإنزال السائحين إلى الأعماق حول جزيرة “سيل” لمشاهدة القروش التي يصل طولها إلى أربعة أمتار ونصف (15 قدما) عن قرب، إنها لم تشاهد قرشا أبيض واحدا هذا العام، كما أن أجهزة الاستشعار لم تسجل وجود أي من القروش المثبتة بها بطاقات متابعة إلكترونية، وعددها 40 سمكة، في الخليج.
ولكن من المعروف أن القرش الأبيض من فصائل الأسماك المهاجرة، كما أن وجوده يشيع قبالة سواحل كيب تاون خلال فترة منتصف العام. ويقول علماء الكائنات البحرية إن أنواع الأسماك المختلفة تتحرك تدريجيا شرقا حيث المياه أكثر دفئا.
ونقلت “بلومبرج” عن برنارد سيريت، عالم الأحياء البحرية، الذي يعمل في متحف التاريخ الطبيعي في فرنسا، قوله:”القرش الأبيض من الأسماك التي تهاجر لمسافات طويلة، فإذا ما استمر غيابها لمدة عام من الآن، من الممكن عندئذ أن يبدأ العلماء في بحث فرضيات، أما الآن، فما زال من السابق لأوانه استخلاص أي نتائج”.
وفي عام 2005، قامت سمكة قرش أبيض تدعى “نيكول”، تحمل اسم النجمة الاسترالية نيكول كيدمان، بالسباحة إلى أستراليا قبل أن تعود مرة أخرى إلى كيب تاون، وتمت متابعة رحلتها من خلال بطاقة الرصد الإلكترونية المثبتة في جسمها أثناء وجودها قبالة سواحل جنوب افريقيا.
وربما يكون من أسباب اختفاء القرش الأبيض وصول ذكرين من فصيلة الحوت القاتل إلى المياه قبالة سواحل كيب تاون. وهاجم الحوتان اللذان أطلق عليهما اسم “بورت” و”ستاربورد” القروش الضخمة والتهما أكبادها، ثم تركا بقية أجسامها ممزقة.
ويعقب ستيف سوانسون، مالك شركة “شارك إكسبلوررز”، وهي شركة متخصصة في أنشطة أقفاص الغوص، في تصريحات لوكالة “بلومبرج”: “جاء بورت وستاربورد إلى الجزيرة في يوم أحد، وهاجما مجموعة من القروش، واختفت القروش بعدها لمدة ثلاثة أسابيع”.
ويمثل اختفاء القروش كارثة بالنسبة لهذه الشركات، نظرا لأن سعر الغطسة الواحدة داخل القفص لمشاهدة هذه الأسماك المفترسة عن قرب يصل إلى 3500 راند (234 دولار).
ورغم أن تأثير اختفاء القرش الأبيض على نشاط السياحة في كيب تاون مدعاة للقلق، يقول العلماء وهيئة السياحة في المدينة (ويسجرو)إن هناك مخاوف أكبر بشأن تأثير هذه الظاهرة على النظام البيئي.
وطرأت بالفعل بعض التغيرات جراء اختفاء القرش الأبيض قبالة سواحل كيب تاون، حيث أصبحت الفقمات البحرية (كلاب البحر) تسبح بمزيد من الحرية بعيدا عن الجزيرة، كما بدأت أنواع أخرى من القروش تسبح على مسافات أقرب من الشواطئ.
وتقول أليسون كوك، وهي خبيرة في الأحياء البحرية بمركز أبحاث كيب تاون: “يؤثر القرش الأبيض على مئات الفصائل البحرية في خليج فولس، سواء من خلال الافتراس المباشر أو التهديد بالافتراس، ومن المرجح أن يؤدي استمرار غيابها إلى تغيرات أكبر على النظام البيئي، وإن كنا لا نستطيع التنبؤ بهذه التغيرات”.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر