الرئيسية / تجربتي / البلاص القناوي تاريخ الثقافة الشعبية وحامل مياه النيل والسحر بجنوب مصر
البلاص القناوي تاريخ الثقافة الشعبية وحامل مياه النيل والسحر بجنوب مصر
البلاص القناوي تاريخ الثقافة الشعبية وحامل مياه النيل والسحر بجنوب مصر

البلاص القناوي تاريخ الثقافة الشعبية وحامل مياه النيل والسحر بجنوب مصر

كتب – أحمد زكي : وجود نهر النيل في مصر والاستقرار الانساني على ضفافه أعظم الأثر في ازدهار صناعات وفنون عديدة منها فن الفخار، وهو فن له خصوصيته وطرزه المختلف ، فالمنتج الفخاري منتج نفعي له شكل جمالي ، يحمل قيم التشكيل من خلال شكله و الرموزالمنقوشة والمحفورة عليه ، والتي تمثل فكرالجماعة الشعبية وقيمها في بساطة ، وهو ما يمثل انعكاسا للتراكمات الحضارية المرتبطة بالمكان على مر العصور.

لقد ارتبط الفخار بالحياة اليومية حيث ساير طقوس الزواج والإنجاب والحمل والوضع واحتفالية الميلاد (السبوع)، كما أن طقوس الموت شاركت فيها المنتجات الفخارية، فقد تواجدت في الحوش والقبر والجبانة،كما ارتبط الفخار بالسحر والكتابة على سطحه الطينى قبل تعرضه للحريق، وعندما يحرق على حالته هذه لا يستطيع أحد محو تلك الكتابة التي غالباٌٌما تستهدف الضرر.

هل سيتراجع البلاص ويختفي؟ أم سيصمد ويستبدل وظيفته التى انتفت؟ أم سيحافظ على هويته أمام المنتجات الأخرى؟ هل سنعيد توظيف البلاص بما يناسب الحياة الحديثة ليعيش الشكل وتتبدل الوظيفة، حتى لا يندثر شكل آخر من منتجاتنا الشعبية ؟

وفي قنا بصعيد مصر يوجد أكبر تجمع لتصنيع الفخار، والتي أجرينا دراسة ميدانية عليها2، ومن أشهر هذه الأشكال «البلاص»، حيث كان لهذا الشكل الفخاري المتميز مكانته في مصر على مر العصور.

لقد ساعد موقع قنا في توفر خامات التصنيع لوجودها على ضفاف نهر النيل حيث توافر الطمية السوداء، كما ساهم وجود الجبل الغربي على حدود قنا على توفير الطفلة التي تعتبر أساس عملية التصنيع، وقد ساهمت الوديان وممرات السيول التي تشق محافظة قنا والقادمة من جبال البحر الأحمرعلى إمدادها بطينة السيل التي تسمى (بالحيبة الصفراء).

كما ساهم مناخ قنا الجاف في إتمام عملية جفاف الأشكال الفخارية بالشكل المطلوب، ولأن محافظة قنا محافظة زراعية فقد ساهم ذلك في تنوع الوقود المستعمل في حرق الفخار سواء كان بوص ذرة أومخلفات قصب السكر وخلافه وهو ما انعكس بشكل كبيرعلى جودة الحريق.

هذا وقد وجدت آثار فخارية كثيرة في منطقة تسمى «نقادة» بقنا، وهي ذاتها منطقة حضارة نقادة الأولى والثانية والتى عرفت في عصر ما قبل الأسرات (منذ أكثر من عشرة آلاف سنة)، وتشمل هذه الحضارة جبانات أرمنت، وخزام،ونقادة،وبلدة البلاص. كما اكتشف «كيوبيل» العالم الأنجليزي «جبانة البلاص» الموجودة في مركز المحروسة (البلاص سابقا)، وبها محتويات تسعمائة مقبرة كاملة ومن بينها الفخار

ألقاب العاملين في الفاخورة:

هناك ألقاب للعاملين في الورشة تختلف باختلاف تخصصاتهم
كبير الفخرانية: وهـو شيــخ المهنـة الأكبر سناً والأكثر منزلة بينهم.
المعلم: صاحب الـورشة المسـؤول عـن إدارتها ومالياتها ويكون غالباً فخرانيا.
صنايعي: وهـو الفخـراني المسـؤول عـن عملية تشكيل الطين داخل الورشة.
المناول: الصبي الذى يقوم بمناولة الطين للفخراني.
العمال: وهم المساعدون في كل مراحل العمل.

وعلى مر التاريخ الحديث رسمت لوحات عن مصر سجلت مظاهر الحياة اليومية، فقد سجل المستشرقون وعلماء الحملة الفرنسية العديد من النساء حاملات الجرار لتظهر روعة الرداء وطريقة شد الثوب بيد ورفع الأخرى على (البلاص) لتحدث التوازن في مشيتها، وهو ما اشتهر عن المرأة المصرية التى تسير ممشوقة القوام تحمل بلاصا على رأسها في شكل انسيابي، ليتم تكامل الجمال وتبادله بين السيدة وشكل البلاص، وبين نسب البلاص وعلاقة كل جزء بالآخر، لتحقيق الانسجام الموجود بين وزنه بعد ملئه بالمياه وشكله حين يتم حمله، وهذا ما أثر بشكل كبيرعلى استمراريته واستخدامه في الحياة اليومية حتى اليوم، رغم كل ما يحدث من انسحاب لموروثات شعبية كثيرة .

أجزاء البلاص

يتكون البلاص من عدة أجزاء
عنق : يشبه عنق الإنسان . قصير نسبياً عن جسمه المخروطي وذلك للتحكم في المياه المنسابة منه.
فوهة : ضيقة نسبياً ولكنها تحافظ على ما بداخل البلاص من السوائل حتى لا تنسكب.
بدن : يشبه القمع ينتهي بقاعدة متسعة نسبياً عن بدايات الجسم.
مقبض : مقبضان متقابلان ليساعدا في حمل البلاص وتحريكه من مكان لآخر.
قاعدة : محدبة الشكل تسمح للبلاص بالارتكاز عليها كما تسمح بلفه وتدويره عند الحاجة إلى سكب السوائل الموجودة بداخله . كما أن ارتكاز البلاص على القاعدة بميل لا يسمح بدخول الشوائب إليه ، وقد ساهم اتساع أسفله في حمل كمية كبيرة من المياه.

كما تركزت استخدامات هذه الأشكال في حفظ السوائل والأطعمة السائلة وتخزينها، كما استخدمها (المعماري الشعبي) في بناء المنازل والأسوار وأبراج الحمام وغيرها من البنايات.

وظيفة البلاص

عرف عن البلاص منذ القدم أنه خفيف الوزن، ولذا ظل محتفظاً بإمكانياته في تخزين المياه وسهولة استخدام السيدات له وخاصة في الأماكن التي لا تصلها مواسير مياه صحية.. وإن كانت الأواني البلاستيكية والمعدنية قد حلت بعض الشيء مكان البلاص في منطقة البحث، إلا أنه مازال يقع عليه العبء الأكبر في عملية تخزين ونقل المياه.

ونلاحظ في العديد من المنازل وفي الشوارع الموجودة بقرية المحروسة والقرى المجاورة لها، وجود البلاليص في الأركان بدلاً من الزير ليشرب منه المارة، حتى أن المنازل لا تخلو من بلاص لشرب المياه مثبت على قاعدة حجرية، وقد استحدثت عادة فتح البلاليص من أسفل وتركيب صنبور معدني بالجبس. كما ان هناك علاقة ألفة بين البلاص وكافة الأماكن في قرية الدير، حيث يوجد في الحقول وفي المناطق غير الآهلة بالسكان كالمقابر وغيرها ليشرب منه عابرو السبيل.
ويستخدم البلاص ضمن أدوات الطعام حيث يتم تخزين العسل الأسود الذي يحافظ بدوره على عدم تغير طعم العسل ورائحته لفترة زمنية طويلة.
كما يخزن به الجبن القديم، وهوجبن يضاف له قشر البرتقال وقشر الخيار وشرش الجبن ليستعمل على المدى البعيد، كما يحافظ على تخزين المقبلات من المخللات، ويحافظ عليها من الفساد وبقائها لمدة طويلة.

البلاص والسحر في المعتقدات القديمة

اقترن الفخار بالسحر فالاعتقاد السائد هو أن أي شكل طيني يُمكن استعماله في السحر لو تم التدوين عليه بما يريده صاحبه، وبالتالي ظل هذا الاعتقاد السائد لدى الفخرانية، حيث أنهم يعتقدون أنه في حال بيعهم لأي قطعة طينية تم تشكيلها ولم تحرق سيتم الكتابة بالسحر عليها . وهو ما ينعكس بالضرر على الفخراني الذى شكل تلك القطعة إما بالمرض أوبالعجز الكامل (الشلل) أو (النحس) بغلق فاخورته، ويرجع هذا الاعتقاد إلى المصري القديم حين كان السحر يتم بتدوين المرغوب فيه على قطعة طينية ثم تحرق لتصبح فخارا ويتم إلقاؤها في النهر، وهي بذلك لا تبلى ولاتمحى، وتصيب صاحبها طوال الحياة.

البلاص والزواج

هناك نوع من البلاليص يطلق عليه بطة العروسة وهو أحد أنواع البلاليص الذي يصنع خصيصاٌ للعروس، له أربعة مقابض أوأكثر كانت العروس تشتريه ضمن حاجاتها قبل زفافها لتستخدمه في الصباحية عند زيارة الأم والأصدقاء. ويعتبر رمزاً من رموز الخير والسعادة. تحكي زوجة لمزارع في الدير الغربي «كل واحدة ليها بطتها تشيلها طول العمر، وهى بلاصة تَّشرب ضيوفها منها يوم الصباحية، بعد ما تكون خشت.. عشان تضمن تعيش سعيدة والناس تقول لها إسجينا من بطتك».

البلاص وصدقة المياه الجارية

في مجتمع فقير كالمحروسة تتجلى صور صدقة المياه الجارية وذلك في الحوش والقبر والجبانة، حيث ينتشر البلاص المضاف له صنبور عند مؤخرته في محاولة ليصبح سهلاً في استعماله وحتى لا يحركه من يريد الشرب حيث يثبت على حامل معدني.

البلاص القناوي تاريخ الثقافة الشعبية وحامل مياه النيل والسحر بجنوب مصر
البلاص القناوي تاريخ الثقافة الشعبية وحامل مياه النيل والسحر بجنوب مصر

إقرأ أيضاً :

“الوصيف”: انعقاد عموميات الغرف السياحية والانتخابات 22 مايو الجاري

شاهد أيضاً

مدينة طبية بجنوب سيناء تفتح أبواب الاستثمار في السياحة العلاجية

مدينة طبية بجنوب سيناء تفتح أبواب الاستثمار في السياحة العلاجية

كتبت – مروة السيد : تتجه الأنظار إلى جنوب سيناء مع طرح خطط طموحة لإنشاء …