كتب – أحمد زكي : هل سبق لك أن سمعت عن السيدة التي حملت لقب “مرضعة قلاوون”؟ ربما رأيتها في مخيلتك أو سمعت عنها عبر التاريخ، ولكن هل تعرف حقًا قصتها؟ إليك حكاية السيدة مسكة، التي لم تكن مجرد مربية في القصر السلطاني، بل كانت إحدى النساء اللواتي كتبن صفحات هامة في تاريخ مصر المملوكية.
في قلب التاريخ المملوكي، نجد اسم السيدة “مسكة”، التي كانت تعرف أيضًا باسم “مكة”، إحدى جواري السلطانة أشلون خاتون، زوجة السلطان قلاوون. وُلدت هذه السيدة تحت اسم “جلشانة”، والذي يعني “رائحة الورد”، ما منحها لقب “مسكة” نظرًا لجمالها الفائق.
وصلت مسكة إلى القصر السلطاني بعدما أحضرها السلطان قلاوون لترضع وليده، الناصر محمد بن قلاوون، لتصبح فيما بعد مربيته والمشرفة على تربيته. حب الناصر محمد لأمه المرضعة كان عميقًا، وظلت مسكة ترافقه في كافة مراحل حياته، حتى أصبح سلطانًا لمصر وتولى العرش ثلاث مرات، ليحقق إنجازات عظمى في تاريخ العمارة الإسلامية.
لم تكن مسكة مجرد مرضعة؛ فقد أصبحت من أهم الشخصيات في البلاط السلطاني. كانت تدير شؤون القصر، تشرف على زواج الأميرات والأمراء، وترتب شؤون الحريم السلطاني. بالرغم من تقدمها في السن، كانت تحرص على الظهور بمظهر الشباب والقوة، محافظة على مكانتها حتى آخر يوم في حياتها.
أسست مسكة مسجدًا يحمل اسمها في منطقة بين الجامع الأزهر والسيدة زينب، كرمز لتخليد اسمها، وكتبت عليه: “أمرت بإنشاء هذا الجامع المبارك الفقيرة إلى الله تعالى الحاجة إلى بيت الله الزائرة إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الست رفيعة مكة”.
ولم يكن لقب “مرضعة قلاوون” مجرد صفة تطلق على مسكة، بل أصبح تعبيرًا يستخدمه المصريون لوصف الشخص الذي يمتهن وظيفة ويبقى فيها طويلًا، حتى وإن لم يكن مناسبًا لها.
في نهاية المطاف، تبقى قصة مسكة جزءًا لا يتجزأ من تاريخ مصر المملوكية، تجسد الوفاء والعطاء في خدمة القصر السلطاني، وتظل ملهمة لمن يبحثون في صفحات التاريخ عن قصص النساء اللواتي تركن بصمة لا تُمحى.
لقد كانت حياة الست مسكة مليئة بالأحداث والإنجازات التي جعلتها واحدة من أبرز النساء في التاريخ المملوكي. فعلى الرغم من كونها جارية في الأصل، إلا أن ذكاءها وحكمتها ساعداها في أن تصبح مستشارة موثوقة في القصر السلطاني. كانت تؤخذ آراؤها بعين الاعتبار في كل القرارات المهمة، وخصوصًا تلك المتعلقة بشؤون الأسرة الملكية، مما زاد من نفوذها وأهميتها في البلاط.
مع مرور السنين، أصبحت مسكة بمثابة الأم الروحية لعدد كبير من الأمراء والأميرات الذين نشأوا تحت رعايتها. لم تكن مهمتها تقتصر على الإشراف على تربيتهم فحسب، بل كانت تسعى أيضًا لتعليمهم أصول الحكم وأخلاقيات القيادة، مما جعل تأثيرها يمتد إلى الجيل التالي من حكام مصر.
بالرغم من ثرواتها الطائلة والنفوذ الكبير الذي تمتعت به، ظلت مسكة محافظة على تقواها وورعها. وقد تجلى ذلك في إصرارها على بناء مسجدها الخاص، الذي لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل أيضًا رمزًا لاستمرارها في الحياة حتى بعد رحيلها. لقد اختارت منطقة بين الجامع الأزهر والسيدة زينب لإقامة المسجد، وكأنها أرادت أن تظل في قلب القاهرة، بين معالمها الدينية الهامة.
اليوم، يتذكر المصريون الست مسكة كرمز للصمود والتفاني في خدمة الوطن، ولقب “مرضعة قلاوون” بات جزءًا من التراث الشعبي، يعبر عن الأشخاص الذين يتمسكون بمواقعهم لفترة طويلة، بغض النظر عن الظروف. قصتها تظل مثالًا حيًا على كيف يمكن للفرد، مهما كانت بداياته متواضعة، أن يصنع لنفسه مكانة مرموقة في التاريخ من خلال العمل الجاد والوفاء والتفاني.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر