كتب -أحمد زكي : في أجواء ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى متن المدمرة الأمريكية “كوينسي”، في 12 فبراير 1945، تقاطعت مصائر الشرق والغرب عندما التقى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت مع الملك فاروق، آخر ملوك أسرة محمد علي. كانت تلك اللحظة شاهدة على انتقال القوة العالمية من بريطانيا العظمى إلى الولايات المتحدة، التي كانت تسعى لترسيخ هيمنتها الجديدة على الساحة الدولية. في مذكراته، كشف روزفلت عن تفاصيل هذا اللقاء الذي أصبح نقطة تحول في تاريخ مصر الحديث، حيث رأى في الملك فاروق رجلاً يحمل إرث جده محمد علي باشا، ويسعى لحماية بلاده من الهيمنة الأجنبية، حتى لو كلفه ذلك عرشه.
في مذكراته، تحدث الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عن لقائه مع الملك فاروق على متن المدمرة “كوينسي”، واصفًا إياه برجل قوي الإرادة ومخلص لبلاده، يعتز بتاريخ جده الأكبر محمد علي باشا. أبدى الملك فاروق في هذا اللقاء كراهية شديدة لبريطانيا، الدولة التي كانت تسيطر على مصر حينها، وأعرب عن رغبته في رؤية بريطانيا ترحل عن قناة السويس بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
لم يكن هذا اللقاء مجرد تبادل للآراء السياسية، بل كان، في جوهره، اختبارًا من الولايات المتحدة للملك فاروق حول مدى استعداده للانخراط في النظام العالمي الجديد الذي تقوده أمريكا. روزفلت، الذي جاء إلى الشرق الأوسط كزعيم لأقوى دولة في العالم الجديد بعد انتصار الحلفاء في الحرب، لم يكن يسعى فقط لتعزيز العلاقات مع الملك المصري، بل أراد توجيه مصر نحو السياسات الأمريكية الناشئة في المنطقة.
واحدة من القضايا الأكثر حساسية التي طرحها روزفلت كانت مسألة فلسطين. بريطانيا كانت قد وعدت بإقامة وطن لليهود في فلسطين، ولكن الملك فاروق أبدى رفضًا قاطعًا لهذه الفكرة. قال روزفلت في مذكراته: “تحدث الملك عن مخاطر وعود بريطانيا لإقامة وطن لليهود في فلسطين، وأكد لي أنه سيحارب أي يهودي يقول أن فلسطين هي موطن اليهود، حتى لو كلفه ذلك عرشه”. هذه الكلمات أظهرت أن فاروق كان مستعدًا للدفاع عن الموقف العربي والإسلامي تجاه فلسطين حتى النهاية، رغم الضغوط الدولية.
ولكن رفض فاروق لطلبات الولايات المتحدة، التي تضمنت الاعتراف بفلسطين كوطن لليهود والخضوع للتبعية الأمريكية بعد انتهاء الاستعمار البريطاني، وضعه في موقف صعب. بعد نهاية اللقاء، أدرك فاروق أنه كان بمثابة اختبار له من قبل أمريكا، ورغم أن روزفلت أبدى إعجابه بشخصية الملك، إلا أن رفض فاروق للهيمنة الأمريكية جعله عرضة لمؤامرات لاحقة.
تلك اللحظة التاريخية كانت بداية النهاية لحكم فاروق. فبينما كان الملك يحاول الحفاظ على استقلالية مصر، كانت القوى العالمية تتغير بسرعة، وبات واضحًا أن الملك فاروق، برفضه للضغوط الأمريكية، قد حفر لنفسه طريقًا نحو العزلة الدولية، وهو ما مهد الطريق للإطاحة به في ثورة يوليو 1952.
النهاية لقرون حكم اسرة محمد علي
كان اللقاء بين روزفلت وفاروق على متن “كوينسي” أكثر من مجرد محادثة سياسية. لقد كشف عن صراع إرادات بين قوة ناشئة، تمثلت في الولايات المتحدة، وملك يسعى للحفاظ على كرامة واستقلال بلاده. ومع أن الملك فاروق وقف في وجه الضغوط الدولية، إلا أن تلك المقابلة أظهرت بوضوح أن القوى الكبرى كانت قد قررت مصيره، وأن النهاية كانت قريبة لحكم استمر لعقود تحت ظل أسرة محمد علي باشا.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر