كتب – أحمد زكي : في قلب باريس، وتحديدًا داخل أروقة متحف اللوفر العريق، ينبعث صوت حضارة عريقة طالما أغفلتها المعارض الأوروبية. من خلال معرض فني استثنائي بعنوان “المماليك، 1250 – 1517″، يسلط اللوفر الضوء على صفحة ذهبية من تاريخ الشرق الإسلامي، حيث تعانق الزخرفة البديعة سطوة السيف، وتكشف الإمبراطورية المملوكية عن وجهها الثقافي والفني الغني في عرض غير مسبوق على الساحة الأوروبية.
تاريخ يعاد باللوفر
يُعد هذا المعرض مناسبة نادرة تفتح نافذة جديدة على تاريخ إمبراطورية المماليك، التي ازدهرت بين القاهرة ودمشق خلال الفترة من 1250 إلى 1517، وامتدت سلطتها إلى مدن كبرى مثل حلب، القدس، وطرابلس. لم يكن المماليك مجرد محاربين ذوي أصول تركية وقوقازية، بل بنوا واحدة من أكثر الحضارات الإسلامية ازدهارًا في مجالات الفنون، التخطيط الحضري، والعلوم.
ينقسم المعرض إلى خمسة أقسام موضوعية تعرض نحو 260 قطعة فنية وأثرية، تنقل الزائر إلى أجواء القرون الوسطى عبر نسيج من المنسوجات الفاخرة، والمخطوطات النادرة، والزجاج المذهب، والزخارف الحجرية والخشبية. ويُبرز المعرض أيضًا أهمية المماليك في رسم معالم كبرى المدن الإسلامية، وفي تأمين الطرق التجارية بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر.
من أبرز ما يلفت النظر في المعرض “مخطوطات الحج” المزخرفة التي تشبه مذكرات سفر روحانية، وسجادة نادرة بتصميم هندسي نجمي، مستعارة من متحف اللوفر أبوظبي الذي يستضيف المعرض ابتداءً من سبتمبر المقبل. ويوظف التصميم المعماري للمعرض عناصر الضوء والفراغ بطريقة تحاكي الجماليات الروحية واللامحدودة لفنون العمارة المملوكية.
لا يقتصر المعرض على الفن فقط، بل يسلّط الضوء على الشخصيات التي صنعت هذا المجد، من العلماء والمتصوفة إلى النساء اللاتي لعبن أدوارًا اقتصادية واجتماعية مؤثرة، رغم القيود القانونية المفروضة عليهن. تحضر في المعرض نماذج لنساء تركن بصمات ملموسة، مثل “الست حدق” و”شجرة الدر”، مما يعيد رسم أدوار المرأة في التاريخ المملوكي بعيدًا عن الصور النمطية.
ويكشف المعرض كيف أسهم المماليك في النهضة العلمية من خلال عرض أدوات فلكية نادرة، بينها أسطرلابات قد تكون من بين اللبنات الأولى للثورة الكوبرنيكية، إلى جانب توثيق الاهتمام الأوروبي بالمماليك منذ القرن التاسع عشر، كما يتجلى في لوحات المستشرقين، ومنهم لوحة تجسد إعجاب نابوليون بفرسان المماليك أثناء حملته في مصر.
يرافق المعرض سلسلة ندوات وورش عمل أكاديمية، من بينها يوم دراسي مخصص لأعمال التنقيب في قلعة حلب، أحد رموز الحكم المملوكي، وذلك في شهر مايو المقبل.
محطة فريدة لاعادة التاريخ
يشكّل معرض “المماليك” في متحف اللوفر محطة فريدة لإعادة اكتشاف حضارة مزدهرة ظلت لعقود في الظل. إنه ليس مجرد عرض فني، بل رحلة ثقافية وإنسانية تدعو الزوار للتأمل في تقاطعات القوة والجمال، الدين والعلم، والتاريخ والفن، وكلها معًا تحت راية إمبراطورية نسجت هويتها من السيف والريشة على حد سواء.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر