كتب – أحمد زكي : لم تعد الحروب في سوريا تفتك بالبشر فحسب، بل امتدت إلى الحجر والهوية. فمع تواصل النزاعات المسلحة وتفاقم الفتنة الطائفية، أصبحت المواقع الأثرية – التي تشهد على عراقة الحضارات السورية – مسرحًا للنهب والتخريب والاستغلال العسكري. مدينة تدمر، التي طالما وقفت شامخة في قلب الصحراء، تحوّلت اليوم إلى عنوان لما تبقّى من ذاكرة مهددة بالاندثار.
واقع ميداني يبعث على القلق
تُعد سوريا من أغنى دول العالم بالتراث الإنساني، حيث تضم أكثر من 10 آلاف موقع أثري، وفق تقديرات المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية. لكن ومنذ عام 2011، تم تدمير أو إلحاق الضرر بـ أكثر من 40% من هذه المواقع، بحسب تقرير صادر عن اليونسكو (2023).
تدمر وحدها فقدت ما يقارب 60% من معالمها الرئيسية، وفق تقرير مشترك صادر عن التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع (ALIPH). وقد تم توثيق تفجير معبد بل الشهير في 2015، إضافة إلى نهب مئات القطع الأثرية من متحف المدينة.
أصوات من الميدان
مأمون عبد الكريم، المدير العام السابق للآثار والمتاحف، صرّح في لقاء مع قناة DW الالمانية “ما يحدث للتراث السوري هو جريمة في حق الإنسانية، لا سيما في تدمر. لقد حوّلوا المدينة التي كانت ملتقى حضارات إلى ساحة صراع مسلح ونهب ممنهج.”
من جهته، قال خالد الحمصي، أحد سكان تدمر والناشط في توثيق الانتهاكات، “رأينا بأعيننا تفجير المعابد التاريخية واستخدام بعض المواقع الأثرية كثكنات عسكرية. لم نكن نعرف أننا سنفقد تاريخًا كنا نمرّ عليه كل يوم دون أن ندرك قيمته.”
تهديدات متعددة تواجه التراث السوري
النهب غير الشرعي: تشير تقارير اليونسكو إلى تهريب آلاف القطع الأثرية السورية إلى الأسواق السوداء في أوروبا والشرق الأوسط.
استخدام المواقع كمواقع عسكرية: ما يجعلها هدفًا للقصف أو التخريب من أطراف النزاع.
الجهل المحلي بقيمة الآثار: بسبب ضعف التوعية، يقوم بعض السكان أحيانًا بأعمال تنقيب عشوائي أو تخريب، أملًا بالربح السريع.
جهود وتوصيات
رغم الجهود الجزئية لترميم بعض المواقع، لا تزال الحاجة ملحّة إلى.
إنشاء مناطق محمية تحت إشراف دولي في المواقع الأثرية الكبرى مثل تدمر، وتحييدها عن الصراع.
تفعيل برامج تعليمية محلية لتعزيز وعي المجتمعات المحلية بأهمية التراث.
تعزيز التعاون مع منظمات دولية مثل اليونسكو و”إيكروم” لتوثيق ما تبقّى وتأمين القطع الأثرية.
طمس ذاكرة الأمة
ما تتعرض له الآثار السورية ليس مجرد خسارة مادية، بل طمس لذاكرة أمة بأكملها. إنقاذ تدمر وغيرها من المدن الأثرية هو واجب حضاري وأخلاقي يتخطى الحدود السياسية والطائفية، ويستدعي تضامنًا عالميًا يُعيد للتراث السوري اعتباره، قبل أن تطويه الرمال نهائيًا.


إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر