كتب – أحمد زكي : لم يكن صعود المغرب كقوة سياحية إقليمية ودولية نتاج الترويج الدعائي أو الصدفة الجغرافية فحسب، بل هو ثمرة مسار استراتيجي طويل الأمد، قائم على رؤية تنموية شاملة تزاوج بين الاستثمار في البنية التحتية، والحفاظ على الخصوصية الثقافية، والتكيّف مع المتغيرات العالمية. لقد استطاعت المملكة المغربية أن تؤسس لنموذج سياحي متكامل يُعلي من القيمة الاقتصادية والاجتماعية للسياحة، ويُعيد رسم موقعها في المشهد السياحي العالمي.
النموذج السياحي المغربي: تنوع وتكامل.
يتميّز المغرب بموقع جغرافي استراتيجي يجعله حلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا والعالم العربي، ما يمنحه أفضلية من حيث سهولة الوصول والتنوع الثقافي. إضافة إلى ذلك، يحتضن البلد مجموعة متنوعة من المناخات والمناظر الطبيعية، من جبال الأطلس المغطاة بالثلوج إلى صحارى الجنوب الشاسعة، مروراً بالسواحل الأطلسية والمتوسطية، وهو ما يتيح للزائر تجارب سياحية متعددة في وجهة واحدة.
من الناحية الثقافية، يُعدّ المغرب من أغنى الدول تراثاً في المنطقة، حيث تمتزج فيه الحضارة الأمازيغية والعربية والأندلسية والإفريقية، ما ينعكس في فنونه، عماراته، ومطبخه. وتُعد مدن مثل فاس، مراكش، مكناس، والرباط، نماذج حية لحيوية التراث المغربي وتطوره، وقد تم إدراج عدد من مواقعها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
سياسياً، اعتمد المغرب على رؤى استراتيجية مثل “رؤية 2010″ و”رؤية 2020” لتطوير السياحة، من خلال تحسين البنية التحتية، جذب الاستثمار، وإطلاق مبادرات للسياحة البيئية والثقافية. وتم تعزيز هذه الرؤية بمشاريع ضخمة كالموانئ السياحية، مطارات دولية حديثة، وخدمات فندقية عالية المستوى، فضلاً عن تقوية الشراكات مع شركات الطيران العالمية.
مؤشرات الأداء السياحي في المغرب.
شهد قطاع السياحة المغربي انتعاشاً استثنائياً خلال عام 2024، حيث استقبلت المملكة 17.4 مليون سائح، مسجلة نمواً بنسبة 20% مقارنة بعام 2023، وهو ما يُعتبر رقماً قياسياً وتجاوزاً للهدف المُخطط لعام 2026. نصف هذا العدد تقريباً يعود للمغاربة المقيمين في الخارج، ما يعكس أيضاً قوة الرابط الوجداني بين الجالية والمملكة.
وفيما يخص العائدات، فقد سجّلت السياحة المغربية إيرادات بلغت 104 مليارات درهم بين يناير ونوفمبر 2024، بزيادة قدرها 7.2% عن نفس الفترة من 2023، بينما ساهم القطاع بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً مكانته كمكوّن أساسي في الاقتصاد الوطني.
تطور أعداد السياح: المغرب في سياق إقليمي منذ عام 2014.
سجّل المغرب نمواً مطرداً في أعداد السياح، حيث انتقل من 10.3 ملايين إلى أكثر من 13 مليوناً في 2019. ورغم التراجع الكبير في 2020 بسبب الجائحة، إذ انخفض العدد إلى 3.7 ملايين، إلا أن التعافي جاء سريعاً ومدروساً. فقد استعاد القطاع زخمه ليصل إلى 11 مليوناً في 2022، ثم 14.5 مليوناً في 2023، قبل أن يقفز إلى 17.4 مليوناً في 2024.
عند المقارنة إقليمياً، يتقدّم المغرب على تونس التي استقبلت حوالي 9.4 ملايين سائح في 2023، ومصر التي استقطبت 13.6 مليوناً في العام نفسه، في حين ظلّت الجزائر في مرتبة متأخرة بنحو 2.5 مليون زائر. ويعزى هذا التفوق المغربي إلى الاستقرار الأمني، البنية التحتية المتقدمة، والترويج الفعال، فضلاً عن القدرة على تنويع المنتجات السياحية بما يلبي احتياجات شرائح متعددة من السياح.
الرؤية المستقبلية للسياحة المغربية بعد 2025.
لا تقتصر طموحات المغرب على زيادة عدد السياح فحسب، بل تمتد إلى نوعية التجربة السياحية وجودتها. إذ تسعى المملكة ضمن “خارطة الطريق السياحية 2023-2026” إلى الوصول إلى 26 مليون سائح بحلول عام 2030، تماشياً مع أهداف رؤية المغرب الكبرى لتنمية الاقتصاد المستدام. وتشمل الخطة تطوير 9 أقاليم سياحية متخصصة، وتعزيز السياحة القروية والبيئية، وتحفيز الاستثمارات الرقمية والترويجية، إلى جانب إعادة تأهيل المواقع الأثرية والبنية التحتية الذكية.
كما تراهن المملكة على الاستفادة من استضافتها المرتقبة لكأس العالم 2030، بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، لجذب ملايين الزوار، وتسويق وجهها الحضاري والثقافي للعالم.
المغرب دولة ذات هوية غنية وتنوع طبيعي.
لقد أصبح المغرب مثالاً على كيف يمكن لدولة ذات هوية غنية وتنوع طبيعي أن تبني نموذجاً سياحياً متكاملاً، يجمع بين الاقتصاد، والثقافة، والاستدامة. ومع وضوح الرؤية، وقوة التنفيذ، والتكيّف مع التغيرات العالمية، فإن المغرب لا يُنافس فقط على الصدارة الإقليمية، بل يخطو بثقة نحو مصافّ الوجهات السياحية الأكثر تأثيراً في العالم.





إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر