الرئيسية / قضايا وآراء / تورزم ديلي نيوز في قلب أكبر أسواق الجمال بمصر .. برقاش بين الزحمة والهيبة
تورزم ديلي نيوز في قلب أكبر أسواق الجمال بمصر .. برقاش بين الزحمة والهيبة
تورزم ديلي نيوز في قلب أكبر أسواق الجمال بمصر .. برقاش بين الزحمة والهيبة

تورزم ديلي نيوز في قلب أكبر أسواق الجمال بمصر .. برقاش بين الزحمة والهيبة

كتب_أحمد زكي : عند مدخل قرية برقاش التابعة لمركز منشأة القناطر بمحافظة الجيزة، تبدأ خيوط الشمس بالكاد تلامس الأرض الرملية حين يكون السوق قد استيقظ بالفعل. صياح الدلّالين، هدير الجمال، ارتطام العُصي، ونداءات البيع تصنع سيمفونية صاخبة لا تشبه شيئًا في مصر. كل يوم جمعة، يُفتح سوق برقاش للجِمال على مصراعيه، حاضنًا في قلبه ذاكرةً ممتدة عبر الصحراء، وتاريخًا حيًا لتجارة ورمزية أقدم دابة عرفها الإنسان العربي: الجمل.

فما هو سر هذه السوق؟ كيف تدير شؤونها؟ وما موقعها في الخريطة السياحية والثقافية لمصر؟

التاريخ على ظهر الجِمال.

يعود أصل سوق برقاش إلى عقود طويلة مضت، حين كانت الجمال تُنقل برًّا من السودان عبر دروب القوافل إلى صعيد مصر ومنها إلى القاهرة. كانت برقاش المحطة الأخيرة قبل العاصمة، واختيرت لموقعها الجغرافي القريب من شبكات الطرق القديمة. ومع الزمن، تحولت إلى السوق الأكبر لتجارة الجمال في مصر، ومرآة لعلاقات ثقافية واقتصادية عابرة للحدود.

يقول الحاج صبري، تاجر جِمال من أسوان، زمان كانت القوافل تبدأ من كردفان في السودان، تمشي شهور، وتوصل برقاش. السوق ده مش بس مكان بيع، ده تاريخ.

حين تتكلم الجِمال.

في السادسة صباحًا، تصطف الجمال القادمة من السودان وسيوة وحلايب على جانبي الممرات الرملية، مربوطة في حلقات حديدية. الدلّالون يطوفون بأزيائهم التقليدية، يطلقون نداءات مثل “أصيلة يا جَمل!” و”شايلاها شيل الملوك!”، في محاولة لجذب المشتري.

طقوس البيع تعتمد على الإشارة والصمت. يقبض المشتري يد التاجر، ويوجهها بطريقة معينة. يُقال السعر بالضغط، ويُفهم القبول أو الرفض من تعبيرات الوجه. بعدها، يُصفق الحاضرون وتُعقد الصفقة.
المشهد يبدو مسرحيًا، لكنه حقيقي تمامًا.

ثقافة السوق: لقاء القبائل واللهجات.

سوق برقاش ليس مجرد ملتقى تجاري، بل هو فسيفساء بشرية. تلتقي فيه قبائل العبابدة والبشارية، والتجار من النوبة، وبدو سيوة، وسودانيون يتحدثون العربية بلكنات أفريقية. الجلابيب البيضاء، العصا المقوسة، العِمامة الملفوفة، كلها عناصر تشكل عرضًا بصريًا فريدًا.

ويقول أحد الدلّالين، يُدعى “فرج النوباوي، السوق هنا بيجمع أهل الجنوب مع أهل الشمال، وبنتعلم من بعض. هو مدرسة لوحده.

اقتصاد الجمل: سوق بملايين الجنيهات.

في يوم السوق، تُباع المئات من رؤوس الجِمال. سعر الجمل الواحد يتراوح بين 20 إلى 60 ألف جنيه، وقد يزيد السعر حسب الوزن، السلالة، والاستخدام: هل هو جمل لحوم؟ أم للركوب؟ أم للعَرَض؟
في بعض الأيام، يتخطى حجم التعاملات حاجز المليون جنيه، ما يجعل السوق واحدًا من المحركات الاقتصادية غير المرئية في الريف المصري.

أحد التجار من الفيوم قال، إحنا بنبيع جِمال للحج كمان. السعودية بتطلب سلالات معينة. السوق ده مصدر رزق للآلاف.

السياحة في برقاش: عيون أجنبية على مشهد تراثي.

رغم طابعه المحلي، بدأ سوق برقاش يثير فضول السائحين، خاصة محبي الرحلات الريفية والثقافية. الزوّار يأتون في مجموعات صغيرة، بعضهم برفقة مرشدين سياحيين مهتمين بالتوثيق.
اللافت أن أغلب من يزور السوق لا يأتون لشراء، بل للتصوير والاستكشاف. جِمال ضخمة، رجال بزيهم القبلي، ومفاوضات فريدة تجعل المكان مادة تصويرية مغرية.

سائحة ألمانية قالت، هذا ليس سوقًا، إنه فيلم حي. أشعر أنني عدت ألف سنة إلى الوراء.

لكن، حتى اللحظة، لا توجد خطة رسمية من وزارة السياحة أو هيئة تنشيط السياحة لتطوير السوق كمزار ثقافي، رغم إمكاناته الفريدة.

تحديات برقاش: بين العشوائية والاندثار.

ورغم زخمه التاريخي، يواجه السوق مشكلات تنظيمية كبيرة. الزحام، انعدام الخدمات الصحية، غياب الرقابة البيطرية، وعدم وجود بنية تحتية مؤهلة، كلها تهدد استمراريته.

الحاج منصور، تاجر جِمال من حلايب، قال إحنا عايشين على البركة. لو الحكومة نظّمت السوق ده، هيبقى مزار عالمي.

كما يشكو بعض السكان من تأثير السوق على المرور والنظافة أيام الجمعة، دون وجود آلية واضحة لضبط الإيقاع.

برقاش مرآة لوجه مصر التراثي.

في سوق برقاش، لا تُباع الجمال فقط، بل يُباع التاريخ، وتُشترى الذاكرة. هو مكان حي، يتحرك بأجساد الرجال وضجيج الجِمال ورائحة الغبار. هنا، يتقاطع الاقتصاد بالثقافة، والعابر بالمقيم، والموروث بالمعيش.
ما بين الزحمة والهيبة، يكمن سر برقاش.
وفي بلد يسعى للتنويع في منتجاته السياحية، يظل سوق برقاش فرصة نادرة لجذب الزوار الباحثين عن الأصالة، والقصص، واللقاء بالآخر… في قلب الرمال.

إقرأ أيضاً :

“مصر للطيران” تختتم جسرها الجوى لنقل حجاج بيت الله الحرام بـ21 رحلة..غدا

شاهد أيضاً

شركات الأغذية في مصر ترفع أسعار منتجاتها 30% خلال شهري مارس وأبريل

شركات الأغذية في مصر ترفع أسعار منتجاتها 30% خلال شهري مارس وأبريل

وكالات : أعلنت شركات الأغذية في مصر رفع أسعار منتجاتها بنسبة تصل إلى 30% خلال شهري مارس …