الرئيسية / تجربتي / المسحراتي .. من طبول الفاطميين إلى صمت المدن الحديثة
المسحراتي .. من طبول الفاطميين إلى صمت المدن الحديثة
المسحراتي .. من طبول الفاطميين إلى صمت المدن الحديثة

المسحراتي .. من طبول الفاطميين إلى صمت المدن الحديثة

كتب – أحمد زكي : يُعد المسحراتي أحد أبرز الرموز الشعبية المرتبطة بشهر رمضان المبارك، وصوتًا تراثيًا ظل لقرون طويلة جزءًا أصيلًا من المشهد الليلي في المدن والقرى العربية. وبينما تتسارع وتيرة الحياة المعاصرة وتغزو التكنولوجيا تفاصيلها الدقيقة، تتراجع ملامح هذا الطقس الإنساني العريق، لتصبح مهنة المسحراتي اليوم أقرب إلى الذاكرة منها إلى الواقع. ومن منظور سياحي ثقافي، يمثل هذا التحول خسارة لعنصر مهم من عناصر الجذب التراثي غير المادي الذي يميز المقاصد التاريخية ويمنحها فرادتها وهويتها.

الجذور التاريخية للمسحراتي

تشير المصادر التاريخية إلى أن ظهور المسحراتي ارتبط بتنظيم الحياة الدينية والاجتماعية في العصور الإسلامية الأولى، إلا أن حضوره المؤسسي برز بوضوح في عهد الحاكم بأمر الله خلال العصر الفاطمي في مصر، حيث كان يُكلف رجالًا للمرور في الشوارع لإيقاظ الناس للسحور. وتطورت الممارسة لاحقًا في العصرين المملوكي والعثماني، لتصبح وظيفة شعبية يؤديها شخص معروف في الحي، يحمل طبلة صغيرة أو يطرق بعصا على الأبواب مرددًا عبارات دينية وأهازيج رمضانية.

ومع مرور الزمن، اكتسب المسحراتي بعدًا اجتماعيًا يتجاوز مجرد الإيقاظ؛ إذ كان يعرف سكان الحي بأسمائهم، ويدعو لهم، ويعكس حالة من الألفة المجتمعية التي يصعب استعادتها في المدن الحديثة.

المسحراتي كعنصر جذب سياحي

في المقاصد التاريخية مثل القاهرة والأقصر، كان مرور المسحراتي في الأزقة القديمة يمنح السائح تجربة ثقافية أصيلة، حيث يلتقي الزائر بمشهد حي من التراث غير المادي. فالسياحة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على زيارة المعابد أو المتاحف، بل باتت تبحث عن التجربة الإنسانية الكاملة، وعن الأصوات والطقوس والعادات التي تمنح المكان روحه الخاصة.

إن اختفاء المسحراتي تدريجيًا يعني فقدان أحد عناصر “السرد السياحي” الذي يربط الماضي بالحاضر، ويمنح ليالي رمضان في المدن التاريخية طابعًا احتفاليًا مميزًا.

أسباب تراجع المهنة

تعددت أسباب انحسار مهنة المسحراتي، ومن أبرزها
التطور التكنولوجي،انتشار المنبهات والهواتف الذكية التي ألغت الحاجة الوظيفية للمسحراتي.

تغير أنماط العمران، صعود الأبراج السكنية والمجمعات المغلقة التي يصعب فيها التجول ليلًا.
التحولات الاجتماعية، تراجع روح الحارة التقليدية وتفكك العلاقات المجتمعية.
غياب التوثيق والدعم المؤسسي، عدم إدراج المهنة ضمن برامج صون التراث الثقافي غير المادي بشكل فعال.

بين الاندثار وإمكانية الإحياء

رغم أن المهنة قاربت على الزوال في كثير من المدن، فإن بعض المبادرات الثقافية والمهرجانات الرمضانية تحاول إحياء شخصية المسحراتي كرمز تراثي، لا بوصفه وظيفة خدمية، بل باعتباره أداءً فنيًا شعبيًا يعبر عن الهوية المحلية. ويمكن إدماج هذا العنصر ضمن الفعاليات السياحية الرمضانية، خاصة في المناطق الأثرية والأسواق التاريخية، بما يعزز تجربة السائح ويعيد الاعتبار لهذا الموروث.
المسحراتي ليس مجرد شخص يحمل طبلة في ليل رمضان، بل هو تجسيد لذاكرة مدينة، وصوتٌ كان يوقظ الضمائر قبل أن يوقظ النائمين. وبينما تتقدم الحداثة بخطى سريعة، يبقى السؤال مطروحًا: هل نسمح بانطفاء هذا الصوت التراثي، أم نعيد توظيفه ضمن رؤية سياحية ثقافية تحافظ على روح المكان؟

إن صون المسحراتي ليس حنينًا إلى الماضي فحسب، بل استثمار في الهوية، وفي قوة التراث غير المادي كأحد أعمدة السياحة المستدامة في العالم العربي.

إقرأ أيضاً :

شاهد أيضاً

نزلة السمان .. حارسة الأهرامات وكنز الأسرار المدفون تحت أقدام التاريخ

نزلة السمان .. حارسة الأهرامات وكنز الأسرار المدفون تحت أقدام التاريخ

كتب – أحمد رزق : في قلب هضبة الجيزة، وعلى مقربة أمتار قليلة من أعظم …