كتب – أحمد زكي : في تاريخ العلاقات العربية الحديثة، تبرز بعض الوقائع التي تجاوزت حدود الحادث العابر لتصبح محطة مفصلية في مسار السياسة والتاريخ معًا. ومن بين تلك الأحداث ما عُرف تاريخيًا بـ حادثة المحمل عام 1926، وهي الواقعة التي نشبت خلال موسم الحج في بدايات الحكم السعودي للحجاز، عندما اصطدمت تقاليد مصر العريقة في إرسال كسوة الكعبة بواقع سياسي وديني جديد فرضته الدولة السعودية الناشئة. وقد تحولت تلك الواقعة سريعًا من خلاف ميداني محدود إلى أزمة دبلوماسية بين القاهرة والرياض، أدت إلى قطيعة سياسية استمرت لسنوات وأثرت في أحد أقدم التقاليد الإسلامية المرتبطة بالحج، وهو إرسال مصر لكسوة الكعبة المشرفة.
منذ قرون طويلة، ارتبطت مصر تاريخيًا بخدمة الحرمين الشريفين، وكان من أبرز مظاهر هذا الارتباط إرسال المحمل الشريف، وهو موكب احتفالي يحمل كسوة الكعبة المشرفة من القاهرة إلى مكة المكرمة. وقد ترسخ هذا التقليد بشكل واضح منذ عصر محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، حيث كانت الكسوة تُصنع في مصر وتُنقل في موكب رسمي مهيب يضم حرسًا عسكريًا وفرقة موسيقية، في مشهد احتفالي يعكس مكانة مصر الدينية في العالم الإسلامي آنذاك.
وفي عام 1926، جاء موسم الحج مختلفًا عن الأعوام السابقة، إذ كان أول موسم يُقام تحت الإدارة الكاملة للملك عبد العزيز آل سعود بعد دخوله الحجاز وتثبيت سلطته على مكة والمدينة. ورغم التغيرات السياسية التي شهدتها المنطقة، استمرت مصر في إرسال المحمل الشريف وفق تقاليدها المعتادة.
وخلال مرور الموكب المصري في منطقة منى يوم 20 يونيو 1926، اعترض مقاتلون من جماعة إخوان من أطاع الله – وهم من القوات القبلية المتحالفة مع الملك عبد العزيز آنذاك – على وجود الموسيقى العسكرية والأبواق المصاحبة للموكب، معتبرين أنها لا تتناسب مع قدسية مناسك الحج. وطالبوا الحرس المصري بوقف العزف الموسيقي، إلا أن التوتر تصاعد بعد رفض الحرس التوقف عن أداء المراسم التقليدية.
وتطور الخلاف سريعًا إلى اشتباك عندما بدأ بعض المقاتلين برشق الموكب بالحجارة، قبل أن يتصاعد الأمر إلى إطلاق النار. وعلى إثر ذلك، أصدر قائد القوة المصرية أوامر بالرد لحماية الموكب، ما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى من الجانبين، في حادثة هزت أجواء الحج في ذلك العام وأثارت ردود فعل واسعة.
وعقب الحادث مباشرة، تدخل الملك عبد العزيز آل سعود شخصيًا لاحتواء الأزمة، حيث توجه إلى موقع الاشتباك وعمل على تهدئة الأوضاع ومنع تصاعد المواجهة، مؤكدًا أن ما جرى كان نتيجة تصرفات فردية من بعض المتشددين، ومعلنًا عزمه فتح تحقيق في الحادث.
إلا أن الواقعة تركت أثرًا بالغًا في القاهرة، حيث اعتبر الملك فؤاد الأول ما حدث إهانة لهيبة مصر ولمكانة المحمل الشريف. وعلى إثر ذلك، صدرت تعليمات فورية بسحب البعثة المصرية من الحجاز وعودتها إلى القاهرة، كما تقرر وقف المخصصات المالية التي كانت تقدمها الأوقاف المصرية للحرمين الشريفين، إضافة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة السعودية الناشئة آنذاك.
وقد ترتب على هذه الأزمة توقف تقليد إرسال كسوة الكعبة من مصر، وهو التقليد الذي استمر لقرون طويلة. وفي مواجهة هذا الوضع، اتخذ الملك عبد العزيز خطوة تاريخية في عام 1927 بإنشاء دار خاصة لصناعة كسوة الكعبة في مكة المكرمة، لتصنيع الكسوة محليًا للمرة الأولى في العهد السعودي.
واستمرت حالة التوتر بين القاهرة والرياض لعدة سنوات، وظلت العلاقات السياسية بين البلدين شبه مجمدة حتى منتصف ثلاثينيات القرن العشرين. ولم تبدأ صفحة جديدة في العلاقات إلا بعد وفاة الملك فؤاد الأول، حيث شهد عام 1936 انفراجًا دبلوماسيًا مهمًا مع توقيع معاهدة الصداقة بين مصر والمملكة العربية السعودية في عهد الملك فاروق، لتطوى بذلك صفحة واحدة من أبرز الأزمات المبكرة في تاريخ العلاقات بين البلدين.
حين تلتقي السياسة بالدين
تكشف حادثة المحمل عام 1926 عن لحظة تاريخية التقت فيها السياسة بالدين والتقاليد، في زمن كانت فيه خريطة المنطقة العربية تعاد صياغتها بعد انهيار الدولة العثمانية وظهور كيانات سياسية جديدة. ورغم ما حملته تلك الواقعة من توتر دبلوماسي وصدام ثقافي، فإنها أصبحت لاحقًا جزءًا من ذاكرة العلاقات المصرية-السعودية، التي تطورت مع مرور الزمن إلى واحدة من أهم علاقات التعاون في العالم العربي والإسلامي.

إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر