وكالات : تواجه صناعة الأزياء في منطقة الشرق الأوسط مرحلة إعادة هيكلة تشغيلية متسارعة، تتجلى في مراجعة شاملة لنماذج الأعمال وآليات إدارة المخزون وسياسات التسعير، في ظل ضغوط متزايدة على سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية.
ورغم هذه التحديات التشغيلية، تُظهر أسواق الخليج قدراً من الصلابة على مستوى الطلب الاستهلاكي، ما يمنح شركات القطاع هامشاً من الاستقرار النسبي، حتى مع استمرار الضغوط على هوامش الربحية وارتفاع كلفة تلبية الطلب في بيئة تتسم بعدم اليقين.
لم يعد السؤال الجوهري في قطاع الأزياء الإقليمي اليوم متعلقاً بحجم الطلب، بل بالقدرة على الوفاء به ضمن هوامش مقبولة. فقد أدت اضطرابات النقل الجوي والبحري عبر بعض المسارات الإقليمية إلى إطالة ملحوظة في دورات التوريد، ورفع كلفة الشحن بصورة أثّرت مباشرة على معادلة الربحية لدى شركات التجزئة والعلامات التجارية العاملة في المنطقة.
وتشير تحليلات وحدة «كوموديتي إنسايتس» التابعة لـ«ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى أن تكاليف التأمين البحري على الشحنات في المنطقة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال مارس الماضي، ما اضطر عدداً من الشركات إلى إعادة توجيه شحناتها عبر مسارات بديلة أطول، مما أضاف أعباء زمنية ومالية إضافية على دورة التوريد بأكملها.
وفي سياق موازٍ، أسهم ارتفاع أسعار الطاقة في دفع كلف النقل والتصنيع إلى مستويات أعلى، وإن كان هذا العامل يمثل ضغطاً مسانداً لا محورياً في معادلة الأزياء.
سلاسل الإمداد.. من الكفاءة إلى إدارة عدم اليقين
كشفت المرحلة الأخيرة عن هشاشة هيكلية في نماذج التوريد المعتمدة على السرعة والدوران السريع للمخزون، وهو النموذج الذي سادت به صناعة الأزياء السريعة لسنوات. وأوضحت تقديرات «سي آر يو غروب» (CRU Group) أن اضطرابات النقل في المنطقة أثّرت على تدفق عدد من المواد الأساسية المستخدمة في الإنتاج، مما أفضى إلى تأخيرات في خطوط التصنيع المرتبطة بقطاع الملابس والإكسسوارات.
وقد دفع ذلك شركات عديدة إلى الانتقال من نموذج يعتمد تعظيم المبيعات عبر دوران مخزون مرتفع، نحو نموذج بديل يُقدّم استمرارية التدفقات على حساب حجم العمليات. ويمثل هذا التحول مراجعة جذرية لمنطق عمل القطاع، تنعكس في قرارات تقليص الكميات المطلوبة، وإعادة توزيع البضائع جغرافياً، وتقصير سلاسل التوريد حيثما أمكن.
أسواق الخليج.. صمود الأساسيات يوفر هامش مناورة
في الأسواق الخليجية، تقدم البيانات المتاحة صورة مغايرة لما قد يوحي به الضغط الإقليمي العام. فمؤشر «مديري المشتريات» (PMI) غير النفطي في الإمارات، وهو مؤشر يعكس النشاط في قطاعات التجزئة والخدمات بما فيها الأزياء، سجّل 52.9 نقطة في مارس الماضي، مقارنةً بـ55.0 في فبراير، وفق بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال». وتُشير هذه القراءة إلى استمرار التوسع رغم تباطؤ وتيرته، وهو مؤشر على متانة الطلب المحلي لا على تراجعه.
وتعزز هذه الصورة تقديرات «أكسفورد إيكونوميكس» (Oxford Economics)، التي ترصد قدرة الاقتصادات الخليجية على استيعاب الصدمات الخارجية، مستندةً إلى قاعدة إيرادات نفطية توفر دعماً للإنفاق الحكومي والاستهلاك الخاص على حد سواء.
وفي سياق قطاع الأزياء تحديداً، يعني ذلك أن الطلب في أسواق كالإمارات والسعودية يتمتع بقاعدة اقتصادية تمنحه قدراً من المرونة في مواجهة الاضطرابات الخارجية، حتى وإن ظهرت بعض مؤشرات التباطؤ المؤقت.
سلوك المستهلك.. تأجيل لا تراجع
يُشكّل الطلب المرتبط بالسفر والسياحة رافداً محورياً لمبيعات الأزياء في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في المراكز التجارية الكبرى. وقد أفضت اضطرابات حركة الملاحة الجوية الإقليمية، بحسب بيانات «الاتحاد الدولي للنقل الجوي» (IATA)، إلى تراجع في حجم المسافرين خلال أواخر مارس ومطلع أبريل الجاري، مع تعليق بعض الرحلات أو إعادة جدولتها.
غير أن هذا التراجع لا يعكس اختفاء الطلب على الأزياء، بل تأجيله. إذ إن المستهلك الذي أرجأ رحلته لم يُلغِ نيته الشرائية، ما يعني وجود طلب مكبوت يُرجَّح أن يتحرر حين تستقر أوضاع التنقل. إلا أن هذه الفجوة الزمنية بين الاستهلاك المتوقع والتدفقات الفعلية تُربك جداول التخطيط الموسمي لدى شركات التجزئة، وتزيد من صعوبة إدارة المخزون في مرحلة تتسم أصلاً بعدم اليقين.
باتت إدارة المخزون والتسعير في شركات الأزياء الإقليمية تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهي في الوقت ذاته أدوات تشغيلية وأدوات مالية لإدارة المخاطر. وتتجه الشركات نحو تقليص كميات الطلبات لتفادي تكدس البضائع في ظل بيئة تسودها التقلبات، مع تبني سياسة تمرير تدريجي لارتفاع التكاليف بدلاً من إلقائها دفعة واحدة على كاهل المستهلك النهائي، وهو خيار يهدف إلى الحفاظ على العلاقة مع قاعدة العملاء في مرحلة حساسة.
وترصد تحليلات «ماكينزي» (McKinsey) هذا التوجه بوضوح، إذ تُوثّق تحولاً واسعاً في استراتيجيات شركات الأزياء العالمية والإقليمية، من منطق التوسع والنمو في الحجم، نحو منطق حماية الهوامش وتعزيز المرونة التشغيلية. وبات توزيع المخزون بين أسواق متعددة خياراً استراتيجياً لتقليل التعرض الجغرافي للمخاطر، لا مجرد قرار لوجستي.
إقرأ أيضاً :
“إيكاو” تمنح جائزة التدريب لشركة المتحدة لخدمات تكنولوجيا الطيران
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر