كتب – مروة السيد – وكالات : في وقت يترنح فيه الاقتصاد العالمي تحت وطأة النزاعات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق، اختارت أنقرة “الهجوم الضريبي” وسيلةً للدفاع عن طموحاتها الاقتصادية. فبينما كانت المؤسسات الدولية تراجع توقعات نمو الاقتصاد التركي نزولاً، باغتت الحكومة الأسواق بحزمة إصلاحات وصفها الخبراء بأنها “غير مسبوقة منذ ربع قرن”، مستهدفةً تحويل التحديات الراهنة إلى فرصة تاريخية لجذب رؤوس الأموال الفارة من مراكز التوتر.
بين مطرقة “جيه بي مورغان” وسندان الليرة
لا يمكن قراءة التحرك التركي الأخير بمعزل عن الأرقام الصعبة؛ ففي مطلع مايو 2026، خفّض بنك “جيه بي مورغان” توقعاته لنمو اقتصاد البلاد من 4% إلى 3.4%، مدفوعاً بتداعيات الحروب الإقليمية. ومع وصول سعر صرف الليرة إلى 44 مقابل الدولار، واستنزاف نحو 25.7 مليار دولار من الاحتياطيات في أسبوع واحد لحماية العملة، كان لا بد من “صدمة إيجابية” تعيد الثقة للمستثمر الأجنبي.
“ثورة الـ 9%”: إغراءات تفوق المنافسين
أعلن وزير المالية محمد شيمشك عن استراتيجية جريئة لتعزيز التنافسية، تضمنت قرارات جوهرية:
-
للمصنعين والمصدرين: خفض ضريبة الشركات من 20% إلى 9% فقط.
-
للشركات الدولية: توسيع نطاق الإعفاء الضريبي ليصل إلى 95% للشركات التي تقع مقراتها خارج تركيا، مقارنة بـ 50% سابقاً.
-
إعادة التصدير: إعفاء كامل (100%) من الضرائب على العمليات التجارية التي تتم بين دولتين خارجيتين عبر وسيط تركي.
غزوان المصري (نائب رئيس منتدى IBF): “هذه التعديلات تمنح الشركات التركية مرونة هائلة في إدارة العمليات الدولية، وترفع جاذبية تركيا كمركز لوجستي وإنتاجي يربط ثلاث قارات، متفوقة بذلك على أسواق إقليمية منافسة.”
ملاذ آمن لـ “رواد العمل عن بُعد” والثروات المهاجرة
لم تتوقف الإصلاحات عند حدود الشركات الكبرى، بل امتدت لتشمل الأفراد بصورة غير مسبوقة منذ عام 2002، وفقاً للخبير الاقتصادي علاء الدين شنكولر:
-
العمل عن بُعد: إعفاء ضريبي بنسبة 100% لأي جنسية تعمل لجهات خارج تركيا وتقيم بداخلها.
-
العودة والاستقرار: إعفاء ضريبي شامل لمدة 20 عاماً لمن يقرر نقل نشاطه التجاري والعيش في تركيا (بشرط الإقامة في الخارج لـ 3 سنوات سابقة).
-
تبييض الثروات قانونياً: إمكانية نقل الثروات المملوكة في الخارج إلى تركيا دون دفع أي ضرائب أو تساؤلات قانونية بعد إقامة لمدة عام واحد.
الهدف الأسمى: إسطنبول “عاصمة الابتكار”
خلف هذه الأرقام، تكمن استراتيجية أعمق تهدف لتحويل “أرض المطار القديم” في إسطنبول إلى مركز ابتكار عالمي يخدم الإنتاج الرقمي والصناعي. ومع تقارير “ستاندرد آند بورز” التي تشير إلى أن تصنيف الشرق الأوسط كـ “وجهة خطرة” قد يصب في مصلحة تركيا كبديل آمن للسياحة والاستثمار، تراهن أنقرة على مركز إسطنبول المالي ليكون المنصة الإقليمية الأولى.
الخلاصة: تركيا لا تكتفي بترميم تصدعاتها الاقتصادية، بل تعيد صياغة قواعد اللعبة الضريبية لتكون “الخيار الأول” للمستثمر الذكي في عام 2026، مراهنةً على أن المرونة التشريعية هي السلاح الأقوى في مواجهة الأزمات العابرة للحدود.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر