كتبت – سها ممدوح : يمثل الإسراع في إصدار اللائحة التنفيذية المنظمة لاختصاصات الهيئة العامة للتنمية السياحية أحد أهم الملفات العاجلة أمام قطاع السياحة المصري، في ظل ما تشهده الدولة من توسع غير مسبوق في خطط التنمية السياحية، واستهداف استقبال 30 مليون سائح سنويًا بحلول عام 2030. فبينما تواصل الحكومة تنفيذ مشروعات البنية الأساسية وتطوير المقاصد السياحية، لا تزال عشرات المشروعات الاستثمارية تنتظر استكمال الإطار التنظيمي اللازم لاستئناف أعمالها، الأمر الذي يجعل سرعة إصدار اللائحة ضرورة اقتصادية واستثمارية، وليس مجرد إجراء إداري.
وتأتي أهمية هذا الملف بعد التوجيهات الرئاسية التي صدرت في مارس الماضي، بنقل تبعية الأراضي التابعة لمحافظتي البحر الأحمر وجنوب سيناء إلى الهيئة العامة للتنمية السياحية، في خطوة استراتيجية استهدفت توحيد جهة الولاية على الأراضي السياحية، وإنهاء تعدد الجهات المختصة، وتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين، بما يعزز مناخ الاستثمار ويختصر الوقت اللازم لتنفيذ المشروعات.
خطوة إصلاحية تنتظر استكمالها
يرى خبراء السياحة والاستثمار أن قرار توحيد الولاية يمثل نقلة نوعية في إدارة ملف الاستثمار السياحي، إذ يضع جميع الأراضي السياحية تحت مظلة جهة واحدة، بما يحد من التعقيدات البيروقراطية التي طالما مثلت أحد أبرز التحديات أمام المستثمرين.
لكن، في المقابل، ترتب على مرحلة الانتقال المؤسسي تأجيل إصدار تصاريح البناء والتراخيص الجديدة لحين اعتماد اللائحة التنفيذية المنظمة لاختصاصات الهيئة بعد توسع صلاحياتها، وهو ما أدى إلى توقف عدد من المشروعات الجديدة أو تأجيل استكمال مراحل تنفيذها.
ويؤكد مستثمرون أن هذه المرحلة الانتقالية، رغم أهميتها في إعادة تنظيم القطاع، تحتاج إلى سرعة الحسم حتى لا تتحول إلى عائق أمام الاستثمارات، خاصة مع ارتفاع تكلفة التمويل والإنشاءات، وما يترتب على تأخير التنفيذ من أعباء مالية كبيرة.
البحر الأحمر.. قلب السياحة المصرية
وتكتسب القضية أهمية مضاعفة بالنظر إلى أن محافظة البحر الأحمر تمثل أحد أهم الأقاليم السياحية في مصر، حيث تستقبل ما يقرب من 60% من إجمالي الحركة السياحية الوافدة، بفضل ما تضمه من مقاصد عالمية مثل الغردقة ومرسى علم وسفاجا والجونة، إلى جانب المشروعات السياحية الجديدة التي يجري تنفيذها على امتداد الساحل.
وتعتمد استراتيجية الدولة للوصول إلى 30 مليون سائح على زيادة الطاقة الفندقية بصورة كبيرة، وهو ما يتطلب تسريع تنفيذ المشروعات السياحية والفندقية الجديدة، وعدم تعطيل إصدار التراخيص اللازمة.
فكل مشروع يتأخر تنفيذه يعني تأجيل إضافة غرف فندقية يحتاجها السوق، وتأخير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن إرجاء تدفقات استثمارية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني.
خسائر بمليارات الجنيهات
ويؤكد مستثمرون أن توقف إجراءات إصدار التصاريح خلال الفترة الماضية أدى إلى تحمل الشركات أعباء مالية ضخمة تقدر بمليارات الجنيهات، تشمل فوائد التمويل، وتكاليف المعدات والعمالة، وارتفاع أسعار مواد البناء، فضلاً عن تجميد رؤوس أموال كبيرة دون تحقيق عائد.
كما أن استمرار تأجيل المشروعات ينعكس على الصناعات المرتبطة بالسياحة، مثل المقاولات، ومواد البناء، والأثاث، والخدمات الهندسية، والنقل، وهو ما يضاعف التأثير الاقتصادي لتأخر استكمال الدورة الاستثمارية.
ويرى خبراء الاقتصاد أن سرعة استئناف هذه المشروعات ستؤدي إلى تنشيط عدد كبير من القطاعات الاقتصادية، وتحقيق قيمة مضافة تتجاوز القطاع السياحي نفسه.
دعم مستهدفات الدولة
وتؤكد الحكومة في أكثر من مناسبة أن الوصول إلى مستهدف 30 مليون سائح سنويًا يتطلب مضاعفة الطاقة الفندقية خلال السنوات المقبلة، مع جذب استثمارات جديدة في الفنادق والمنتجعات والمشروعات الترفيهية.
وتشير التقديرات إلى أن السوق المصرية تحتاج إلى عشرات الآلاف من الغرف الفندقية الجديدة لاستيعاب الزيادة المستهدفة في أعداد السائحين، وهو ما يجعل إزالة أي معوقات تنظيمية أمام المستثمرين أولوية قصوى.
وفي هذا الإطار، تمثل اللائحة التنفيذية المرتقبة الأداة القانونية التي ستنظم آليات منح التراخيص والتصاريح، وتحدد اختصاصات الهيئة بصورة واضحة، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار، وتحقيق أعلى درجات الحوكمة والشفافية.
رسالة ثقة للمستثمرين
ويرى متخصصون أن الإسراع في إصدار اللائحة التنفيذية سيبعث برسالة قوية إلى مجتمع الاستثمار المحلي والأجنبي بأن الدولة جادة في إزالة العقبات أمام المستثمرين، وتوفير بيئة أعمال مستقرة ومرنة، تتوافق مع أفضل الممارسات الدولية.
كما أن استقرار الإطار التنظيمي يمثل أحد أهم العوامل التي تعتمد عليها المؤسسات الاستثمارية العالمية عند تقييم فرص الاستثمار في أي دولة، خاصة في القطاعات كثيفة رأس المال مثل السياحة.
ومن المتوقع أن يسهم الانتهاء من اللائحة في إعادة تشغيل المشروعات المتوقفة، وإطلاق استثمارات جديدة، وتسريع تنفيذ المشروعات الفندقية، بما يدعم تنافسية المقصد السياحي المصري ويعزز قدرته على استيعاب النمو المتوقع في حركة السياحة العالمية.
مرحلة حاسمة لمستقبل السياحة
في ظل المنافسة الإقليمية المتزايدة على جذب الاستثمارات السياحية، تبدو سرعة الانتهاء من اللائحة التنفيذية للهيئة العامة للتنمية السياحية ضرورة ملحة لضمان استمرار الزخم الذي يشهده القطاع، وتحويل القرارات الإصلاحية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
فإنجاز هذا الملف لن يقتصر على استئناف إصدار تراخيص البناء، بل سيمثل نقطة انطلاق جديدة لمرحلة أكثر مرونة وكفاءة في إدارة الاستثمار السياحي، ويعزز قدرة مصر على تنفيذ خططها الطموحة لزيادة الطاقة الفندقية، واستقطاب المزيد من الاستثمارات، وتحقيق مستهدف استقبال 30 مليون سائح سنويًا، بما يدعم الاقتصاد الوطني، ويوفر آلاف فرص العمل، ويعزز مكانة مصر كواحدة من أهم الوجهات السياحية والاستثمارية في المنطقة.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر