كتبت – دعاء سمير : سلطت دراسة بريطانية حديثة الضوء على بُعد جديد قد يؤثر مستقبلاً في صناعة السياحة الساحلية والاستثمار بالمناطق الشاطئية، بعدما كشفت عن ارتباط الإقامة طويلة الأمد في بعض المناطق الساحلية بزيادة احتمالات الإصابة بعدة أمراض مزمنة، مع تأكيد الباحثين أن السبب لا يرتبط بالبحر ذاته، وإنما بعوامل اقتصادية واجتماعية معقدة، الأمر الذي يفتح الباب أمام إعادة تقييم استراتيجيات التنمية السياحية في هذه المناطق.
وتكتسب نتائج الدراسة أهمية خاصة في ظل النمو المتواصل للسياحة الساحلية حول العالم، واتجاه العديد من الدول إلى ضخ استثمارات ضخمة في المدن الشاطئية والمنتجعات البحرية باعتبارها أحد أهم محركات الاقتصاد والسياحة، وهو ما يجعل تحسين جودة الحياة والخدمات الصحية والبنية التحتية عنصرًا أساسيًا للحفاظ على جاذبية هذه الوجهات.
وأجريت الدراسة بواسطة باحثين من كلية لندن الجامعية، ونُشرت في دورية BMJ العلمية، حيث اعتمدت على متابعة أكثر من 28 ألف شخص ولدوا في بريطانيا خلال عامي 1958 و1970، وخلصت إلى أن الأشخاص الذين استمروا في العيش بالمناطق الساحلية أو انتقلوا إليها خلال منتصف العمر كانوا أكثر عرضة للإصابة باثنين أو أكثر من الأمراض المزمنة مقارنة بمن غادروا تلك المناطق.
وشملت الأمراض التي تناولتها الدراسة الربو، والسكري، وآلام الظهر، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والسرطان، والاكتئاب، ومشكلات السمع والبصر، إلا أن الباحثين شددوا على أن النتائج لا تعني وجود علاقة مباشرة بين القرب من البحر وتدهور الصحة.
وأوضح البروفيسور ستيفن جيفراج، أستاذ علم الأوبئة والرعاية الصحية بكلية لندن الجامعية والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن التفسير الأكثر ترجيحًا يتمثل في عوامل الحرمان الاقتصادي والهجرة الانتقائية، حيث يميل الأشخاص الذين يعانون ظروفًا صحية أو اقتصادية صعبة إلى البقاء في المناطق الساحلية أو الانتقال إليها، بينما يغادرها آخرون بحثًا عن فرص عمل وخدمات أفضل.
وأظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين نشأوا في أكثر المناطق الساحلية حرمانًا كانوا أكثر عرضة بثلاث مرات للاستمرار في الإقامة بها حتى منتصف العمر مقارنة بمن عاشوا في مناطق ساحلية أقل حرمانًا، كما أن كثيرًا ممن انتقلوا إلى المدن الساحلية جاءوا من مناطق أقل حرمانًا إلى مناطق أكثر صعوبة من الناحية الاقتصادية.
وتحمل هذه النتائج رسائل مهمة لقطاع السياحة والاستثمار، إذ يرى خبراء التنمية أن نجاح الوجهات الساحلية لم يعد يعتمد فقط على جمال الشواطئ أو جودة الفنادق، وإنما يرتبط أيضًا بتوفير خدمات صحية متطورة، وبنية تحتية قوية، وفرص اقتصادية مستدامة للسكان المحليين، بما ينعكس إيجابًا على تجربة الزائر وجودة الحياة داخل المقصد السياحي.
وتشهد العديد من الدول، ومنها مصر، توسعًا كبيرًا في مشروعات المدن الساحلية والمنتجعات السياحية، سواء على البحر الأحمر أو البحر المتوسط، مع التركيز على إنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة تضم مرافق صحية وتعليمية وخدمية، وهو توجه يتماشى مع ما توصلت إليه الدراسة من أهمية معالجة الفجوات التنموية بالتوازي مع التوسع السياحي.
وأشار الباحثون إلى أن المناطق الساحلية تمتلك في المقابل مزايا صحية معروفة، مثل انخفاض معدلات التلوث، وإتاحة مساحات مفتوحة للمشي والاسترخاء، وتأثير الطبيعة البحرية في تحسين الحالة النفسية وتقليل الضغوط، إلا أن هذه المزايا قد تتراجع أمام تأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية إذا لم تُعالج بصورة متوازنة.
وأكدت الدراسة أن نتائجها رصدية ولا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، كما أشارت إلى وجود بعض القيود البحثية، منها عدم التمييز بين أنواع المجتمعات الساحلية المختلفة، سواء كانت مدنًا سياحية أو موانئ أو قرى صيد، فضلًا عن عدم احتساب مدة الإقامة الفعلية قرب الساحل.
ويرى مراقبون أن الدراسة تمثل دعوة لصناع القرار إلى تبني مفهوم أكثر شمولًا في تنمية المدن الساحلية، يقوم على الدمج بين الاستثمار السياحي والتنمية الاقتصادية وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية، بما يضمن استدامة هذه الوجهات ويعزز قدرتها على المنافسة عالميًا، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين المقاصد السياحية الساحلية على جذب السائح الباحث عن تجربة متكاملة تجمع بين الترفيه وجودة الحياة.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر