كتب – سها ممدوح : مع استمرار تداعيات التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، بدأت المؤشرات السياحية في سلطنة عُمان تعكس حجم التأثير على حركة السفر والضيافة، بعدما سجلت المطارات والفنادق تراجعًا ملحوظًا خلال النصف الأول من عام 2026، في وقت يؤكد فيه خبراء القطاع أن استقرار الأوضاع الإقليمية سيظل العامل الأكثر تأثيرًا في تعافي السياحة الخليجية خلال الفترة المقبلة.
وكشفت أحدث بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في سلطنة عُمان عن انخفاض إجمالي عدد المسافرين عبر المطارات العُمانية بنسبة 9.3% على أساس سنوي، ليصل إلى 6.27 مليون مسافر، مقارنة بنحو 6.92 مليون خلال الفترة نفسها من عام 2025، وهو أول تراجع بهذا الحجم منذ عودة النشاط السياحي بعد جائحة كورونا.
ويعكس هذا الانخفاض حالة الحذر التي سيطرت على حركة السفر الدولية، خاصة مع تصاعد المخاوف الأمنية وارتفاع تكاليف التشغيل وأسعار الوقود، ما دفع العديد من شركات الطيران إلى إعادة تقييم جداولها التشغيلية، كما دفع المسافرين إلى تأجيل خطط السفر أو اختيار وجهات بديلة أكثر استقرارًا.
وتزامن ذلك مع تراجع عدد الرحلات الدولية القادمة والمغادرة عبر مطارات مسقط وصلالة وصحار بنسبة 10.7%، لتسجل 38.2 ألف رحلة فقط حتى نهاية يونيو 2026، مقارنة بأكثر من 42.7 ألف رحلة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ورغم احتفاظ مطار مسقط الدولي بمكانته باعتباره البوابة الجوية الرئيسية للسلطنة، فإن حركة المسافرين عبره انخفضت بنسبة 8.8% لتبلغ نحو 5.69 مليون مسافر، بينما تراجعت الرحلات عبره بنسبة 8.3%، وهو ما يعكس تباطؤ الطلب على السفر الدولي إلى السلطنة ومنها.
كما سجل مطار صلالة، الذي يمثل أحد أهم المراكز السياحية الموسمية في عُمان، تراجعًا في أعداد المسافرين بنسبة 14.6%، مع انخفاض عدد الرحلات بنسبة 12.8%، فيما شهد مطارا صحار والدقم تراجعًا أكبر، خاصة في الرحلات الداخلية، وهو ما يؤكد اتساع تأثير تباطؤ الحركة السياحية على مختلف المطارات العُمانية.
ولم يقتصر التأثير على قطاع الطيران، بل امتد إلى قطاع الضيافة، حيث سجلت الفنادق المصنفة بين ثلاث وخمس نجوم انخفاضًا في عدد النزلاء بنسبة 13%، ليصل إجمالي النزلاء إلى 992 ألفًا فقط، مقارنة بأكثر من 1.1 مليون خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
كما انخفضت إيرادات الفنادق بنسبة 12.3% لتبلغ نحو 124.2 مليون ريال عُماني، أي ما يعادل نحو 323 مليون دولار، بالتزامن مع تراجع متوسط نسب الإشغال إلى 46.3% مقابل 54.6% قبل عام، وهو ما يعكس الضغوط التي تواجهها المنشآت الفندقية نتيجة انخفاض الطلب الخارجي.
ورغم هذه المؤشرات السلبية، أظهرت البيانات جانبًا إيجابيًا يتمثل في ارتفاع عدد النزلاء العُمانيين داخل الفنادق، ما يشير إلى تنامي الاعتماد على السياحة الداخلية لتعويض جزء من تراجع الأسواق الخارجية، وهو اتجاه باتت تعتمده العديد من الدول لمواجهة التقلبات العالمية.
ويؤكد محللون أن السوق المحلية أصبحت تمثل صمام أمان للقطاع الفندقي، خاصة مع استمرار الحملات الترويجية للسياحة الداخلية والعروض التي تقدمها الفنادق خلال المواسم المختلفة، بما يساعد على الحفاظ على معدلات تشغيل مقبولة.
في المقابل، لا تزال الأسواق الأوروبية تحتفظ بموقعها كأكبر مصدر للسياحة الأجنبية إلى السلطنة، تليها الأسواق الآسيوية ودول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن استمرار التوترات الإقليمية قد يؤثر على قرارات السفر خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا بالنسبة للسياحة طويلة المدى.
ويرى خبراء السياحة أن ما تشهده عُمان يعكس واقعًا يواجه معظم المقاصد السياحية في المنطقة، حيث أصبحت صناعة السفر أكثر ارتباطًا بالاستقرار السياسي والأمني، إلى جانب تأثيرات أسعار الطاقة وحركة الطيران العالمية.
كما يؤكدون أن استثمارات المطارات والبنية التحتية السياحية التي نفذتها السلطنة خلال السنوات الماضية ستمنحها قدرة أكبر على استعادة الحركة سريعًا فور تحسن الظروف، خاصة مع امتلاكها مقومات طبيعية وسياحية متنوعة تشمل السياحة الشاطئية والبيئية والجبلية والثقافية.
ويشير مراقبون إلى أن المرحلة المقبلة قد تدفع دول الخليج إلى تكثيف جهود التسويق السياحي المشترك، وتوسيع برامج الطيران منخفض التكلفة، وتقديم حوافز جديدة لشركات الطيران ومنظمي الرحلات، بهدف استعادة الزخم السياحي وتعويض التراجع الحالي.
وفي ظل المنافسة المتزايدة بين الوجهات الإقليمية، تبدو جودة الخدمات الفندقية، وتنوع المنتج السياحي، وسهولة الوصول الجوي، عناصر حاسمة في جذب السائحين، وهو ما يجعل الاستثمار المستمر في البنية السياحية أحد أهم أدوات التعافي والنمو خلال السنوات المقبلة.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر