كتبت – دعاء سمير : لم يعد الأمن السياحي مجرد إجراء لحماية السائح والمقصد، بل تحول إلى أحد أهم مقومات المنافسة بين الوجهات السياحية، ومحركًا مباشرًا لقرارات السفر والاستثمار الفندقي والسياحي، في ظل تنامي المخاطر العابرة للحدود وتطور أساليب الجرائم التي تستهدف السائحين والمواقع الأثرية.
وفي هذا السياق، شاركت المنظمة العربية للسياحة في أعمال المؤتمر العربي الثاني عشر للمسؤولين عن الأمن السياحي، الذي عقد بمقر الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب في الجمهورية التونسية، برئاسة اللواء السنوسي صالح السنوسي، وبمشاركة رؤساء وأعضاء الوفود العربية.
وجاءت مشاركة المنظمة في المؤتمر لتؤكد أن مستقبل السياحة العربية يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الدول على بناء منظومة أمن سياحي موحدة ومتطورة، لا تقتصر على التعامل مع الحوادث بعد وقوعها، وإنما تعتمد على الوقاية والاستباق والاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
الأمن.. مفتاح الاستثمار السياحي
وأكد اللواء حسام أحمد عبد الحليم، مستشار رئيس المنظمة العربية للسياحة للأمن السياحي، أن مشاركة المنظمة تأتي في إطار التعاون المشترك مع الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب، بهدف خدمة السياحة العربية وتعزيز الأمن السياحي باعتباره رافدًا مهمًا للتنمية السياحية.
وشدد الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب، الدكتور محمد بن علي كومان، خلال المؤتمر، على أن السياحة تمثل ركيزة أساسية في اقتصادات الدول العربية، إلا أن استمرار نموها يظل مرتبطًا بتوفير بيئة أمنية مستقرة.
وتحمل هذه الرؤية أهمية خاصة لقطاع الاستثمار السياحي؛ فالمستثمر الفندقي أو السياحي لا ينظر فقط إلى المقومات الطبيعية والأثرية للوجهة، وإنما يضع مستوى الأمن والاستقرار وسهولة حركة الزوار ضمن العناصر الأساسية عند اتخاذ قرار الاستثمار.
ومن ثم، فإن تطوير منظومة الأمن السياحي يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على ثقة شركات السياحة العالمية، وشركات الطيران، والمستثمرين في الفنادق والمنتجعات، بما يدعم قدرة المقاصد العربية على جذب مزيد من الحركة الوافدة.
من حماية السائح إلى حماية الاقتصاد
ويناقش المؤتمر تجارب ثلاث دول عربية في مجال الأمن السياحي، بهدف تبادل الخبرات وأفضل الممارسات، إلى جانب بحث سبل مكافحة سرقة الآثار وتهريبها عبر الحدود، وخاصة المبادرة الليبية المطروحة في هذا المجال.
ويمثل ملف حماية الآثار أهمية مزدوجة؛ فمن ناحية يحافظ على التراث الثقافي والحضاري، ومن ناحية أخرى يحمي أحد أهم الأصول التي تقوم عليها السياحة الثقافية العربية.
فالمواقع الأثرية والمتاحف ليست مجرد منشآت ثقافية، وإنما تمثل عناصر جذب سياحي واستثماري، وأي اعتداء عليها أو سرقة لمقتنياتها يضر بصورة المقصد ويهدد أحد أهم مصادر الدخل السياحي.
الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة الأمن السياحي
ويضع المؤتمر التكنولوجيا الحديثة في قلب منظومة الأمن السياحي العربية، من خلال بحث استخدام الرقابة اللحظية للمرافق السياحية، وتحليل البيانات، ومكافحة الجرائم العابرة للحدود، وإدارة الأزمات والكوارث بكفاءة أكبر.
كما تشمل الرؤية توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل الأنماط والمخاطر والتعامل السريع مع البلاغات، إلى جانب استخدام التقنيات الرقمية في توثيق ومراقبة المواقع الأثرية.
ويفتح هذا الاتجاه الباب أمام ظهور مفهوم جديد هو «السياحة الآمنة الذكية»، التي تعتمد على التكنولوجيا ليس فقط لتحسين تجربة السائح، وإنما لضمان حمايته قبل وأثناء رحلته.
ويمكن أن تشمل هذه المنظومة كاميرات وأنظمة مراقبة ذكية، وقواعد بيانات موحدة، وربطًا إلكترونيًا بين الجهات الأمنية والسياحية، ومراكز متخصصة لإدارة الأزمات بالقرب من المواقع الحيوية والمقاصد ذات الكثافة السياحية.
«126».. فكرة عربية لتوفير مظلة أمان للسائح
ومن أبرز المقترحات التي طرحتها المنظمة العربية للسياحة خلال المؤتمر، تخصيص خط هاتفي عربي موحد يحمل الرقم 126 لتلقي بلاغات السائحين عند تعرضهم لأي مشكلات خلال رحلاتهم في الدول العربية.
ويستند المقترح إلى الاستفادة من تجربة جمهورية مصر العربية، مع إمكانية تشغيل الخط من خلال موظفين مؤهلين يجيدون عدة لغات، بما يتيح للسائح الوصول إلى المساعدة بصورة سريعة بغض النظر عن الدولة العربية التي يزورها.
وتكتسب الفكرة أهمية خاصة في ظل اختلاف اللغات والأنظمة بين الدول، إذ يمثل وجود قناة اتصال موحدة وسهلة التذكر عنصرًا إضافيًا في تعزيز شعور السائح بالأمان.
كما يمكن مستقبلاً تطوير هذه الخدمة لتصبح منصة رقمية متكاملة ترتبط بتطبيقات السفر والسياحة، وتتيح استقبال البلاغات وتحديد موقع السائح وتوجيهه إلى أقرب جهة مختصة.
تونس تستعد لقيادة ملف الأمن السياحي عربيًا
وتزامن المؤتمر مع التوافق على تنظيم الدورة الرابعة لمؤتمر الأمن السياحي في تونس عام 2027، بالتزامن مع اختيار تونس عاصمة للسياحة العربية في العام نفسه.
ويمنح هذا التوقيت تونس فرصة لتعزيز حضورها في ملف السياحة الآمنة، وطرح تجاربها في حماية المقاصد السياحية وإدارة الحركة السياحية، إلى جانب فتح نقاش عربي أوسع حول مستقبل الأمن في صناعة السفر.
كما تستضيف العاصمة التونسية اجتماع اللجنة المشتركة من وزارات الداخلية والعدل والسياحة والثقافة في الدول العربية، لإعداد مشروع قانون عربي استرشادي لحماية الآثار والتراث الوطني.
ويستهدف المشروع مساعدة الدول العربية على تطوير تشريعاتها الوطنية في مجال حماية التراث، بما يعزز التنسيق القانوني والأمني في مواجهة سرقة وتهريب الآثار.
قانون عربي استرشادي لحماية التراث
ويمثل إعداد قانون عربي استرشادي خطوة مهمة في مواجهة الطبيعة العابرة للحدود لجرائم تهريب الآثار، خصوصًا أن القطع الأثرية المسروقة يمكن أن تنتقل بين أكثر من دولة قبل وصولها إلى الأسواق غير المشروعة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنسيق أكبر بين أجهزة الأمن والجمارك والجهات القضائية والسياحية والثقافية، فضلًا عن تطوير قواعد بيانات رقمية للمقتنيات والمواقع الأثرية تساعد في سرعة التعرف على القطع المسروقة وتتبع حركتها.
الأمن السياحي.. استثمار في المستقبل
وتكشف مخرجات المؤتمر عن تحول واضح في النظرة إلى الأمن السياحي؛ فلم يعد دوره مقتصرًا على تأمين الفنادق والمطارات والمواقع الأثرية، وإنما أصبح جزءًا من استراتيجية التنمية السياحية نفسها.
فكلما شعر السائح بالأمان، زادت احتمالات السفر وتكرار الزيارة، وكلما ارتفعت مستويات الأمان والاستقرار، أصبحت الوجهة أكثر جاذبية لشركات الطيران ومنظمي الرحلات والمستثمرين الفندقيين.
كما أن بناء منظومة عربية متقاربة للأمن السياحي يمكن أن يدعم فكرة السوق السياحية العربية المشتركة، ويساعد على تصميم برامج سياحية متعددة الوجهات، يستطيع السائح خلالها الانتقال بين أكثر من دولة عربية في رحلة واحدة مع وجود مستويات متقاربة من الحماية والخدمات.
نحو «وجهة عربية آمنة» عالميًا
ويبدو أن الرسالة الأبرز التي خرج بها المؤتمر تتمثل في أن المنافسة السياحية لم تعد تعتمد فقط على الشواطئ والآثار والفنادق، وإنما أصبحت تشمل قدرة المقصد على حماية زائره وإدارة الأزمات والاستجابة السريعة للمشكلات.
ومن هنا، فإن التعاون العربي في مجال الأمن السياحي يمكن أن يتحول إلى ميزة تنافسية للمنطقة بأكملها، خصوصًا إذا اقترن بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتشريعات الموحدة وحماية التراث.
وفي النهاية، فإن السائح الآمن هو المستثمر غير المباشر في الوجهة؛ فهو ينفق على الفندق والمطعم والنقل والتسوق والأنشطة السياحية، ويعود إلى بلاده ليحمل معه صورة المقصد وتجربته.
وبالتالي، فإن الاستثمار في الأمن السياحي ليس إنفاقًا على الحماية فقط، وإنما استثمار مباشر في زيادة الحركة الوافدة، ورفع الإشغال الفندقي، ودعم شركات السفر والطيران، وحماية الأصول التراثية، وتعزيز تنافسية السياحة العربية على الخريطة العالمية.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر