كتبت – مروة الشريف : لم يعد الصراع الأمريكي حول تنظيم العملات المشفرة مجرد معركة تشريعية بين واشنطن وشركات التكنولوجيا المالية، بل بدأ يلامس قطاعات اقتصادية أوسع، وفي مقدمتها السياحة والسفر والفنادق، مع تنامي استخدام الأصول الرقمية في المدفوعات وتحويل الأموال والاستثمار حول العالم.
ويكتسب تعثر مشروع قانون «كلاريتي» لتنظيم الأصول الرقمية في مجلس الشيوخ الأمريكي أهمية خاصة، بعدما كان يُنظر إليه باعتباره خطوة نحو وضع إطار واضح ينظم عمل شركات العملات المشفرة ويحدد قواعد التعامل مع الأصول الرقمية، في وقت تتزايد فيه الاستثمارات المرتبطة بهذا القطاع وتتسع قاعدة مستخدميه.
ورغم أن المشروع لم يسقط نهائيًا، فإن مغادرة أعضاء مجلس الشيوخ واشنطن دون إجراء التصويت المنتظر، وتأجيله إلى سبتمبر المقبل، يعكسان استمرار الخلافات السياسية والمصرفية حول مستقبل العملات الرقمية في أكبر اقتصاد عالمي.
من واشنطن إلى غرف الفنادق
التأثير المحتمل لهذا التشريع يتجاوز منصات تداول العملات المشفرة إلى صناعة السفر نفسها.
فالسائح الدولي يبحث بصورة متزايدة عن وسائل دفع سهلة وسريعة وآمنة، خصوصًا عند السفر بين دول تختلف فيها الأنظمة المصرفية وأسعار الصرف والقيود على تحويل الأموال. ومن هنا يمكن للعملات الرقمية أن تتحول، مع وضوح القواعد التنظيمية، إلى أداة إضافية في منظومة المدفوعات السياحية.
وقد تستفيد الفنادق العالمية وشركات الطيران ومنصات حجز الإقامة والرحلات من انتشار المدفوعات الرقمية، خصوصًا بالنسبة إلى المسافرين الذين يفضلون الاحتفاظ بجزء من أموالهم في أصول رقمية أو استخدام المحافظ الإلكترونية العابرة للحدود.
لكن غياب الإطار التنظيمي الواضح يظل عائقًا أمام التوسع المؤسسي، إذ تحتاج الشركات السياحية الكبرى إلى معرفة قواعد الامتثال والضرائب وحماية المستهلك ومكافحة غسل الأموال قبل اعتماد العملات الرقمية على نطاق واسع.
225 مليون دولار.. قوة ضغط تبحث عن تشريع
وتكشف أرقام الإنفاق السياسي عن حجم المصالح الاقتصادية التي تقف خلف معركة «كلاريتي».
فبحسب تحليل أوردته «فايننشال تايمز»، أنفق قطاع العملات المشفرة أكثر من 185 مليون دولار على الانتخابات الأمريكية خلال الفترة من يناير 2025 حتى يونيو 2026، إلى جانب أكثر من 40 مليون دولار على جماعات الضغط، أي أكثر من 225 مليون دولار إجمالًا.
هذه الأرقام تكشف أن قطاع الأصول الرقمية لم يعد صناعة ناشئة هامشية، بل أصبح قوة اقتصادية وسياسية تسعى إلى التأثير في شكل القواعد التي ستحكم مستقبله.
وبالنسبة إلى قطاع السياحة، فإن نجاح هذه الشركات في الحصول على إطار تنظيمي واضح قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من حلول الدفع والخدمات المالية المرتبطة بالسفر، بينما قد يؤدي استمرار الضبابية إلى تأجيل بعض الاستثمارات والمشروعات التي تعتمد على العملات الرقمية.
الفنادق أمام فرصة.. ومخاطرة في الوقت نفسه
يمكن أن تمثل العملات المشفرة فرصة للفنادق والمنتجعات، خاصة في الوجهات التي تستقبل أعدادًا كبيرة من السائحين الدوليين.
فالدفع الرقمي قد يقلل بعض تكاليف التحويلات الدولية، ويسرع تسوية المدفوعات، ويفتح المجال أمام برامج ولاء قائمة على الأصول الرقمية أو الرموز الرقمية، فضلًا عن إمكانية تطوير أنظمة دفع مرتبطة بالحجوزات والخدمات الإضافية داخل المنشآت الفندقية.
لكن الجانب الآخر من الصورة لا يقل أهمية؛ إذ إن تقلبات أسعار العملات المشفرة، ومخاطر الاحتيال، وقضايا حماية بيانات العملاء، والالتزامات الضريبية والتنظيمية، تجعل اعتمادها دون قواعد واضحة مخاطرة بالنسبة إلى الشركات السياحية والفندقية.
ولهذا فإن القطاع الفندقي لا يحتاج فقط إلى انتشار العملات الرقمية، بل إلى بيئة تنظيمية مستقرة تحدد مسؤوليات كل طرف وتضمن حماية أموال السائح والمنشأة في الوقت نفسه.
«غينسلر 2.0».. الخوف من عودة التشدد
ويحذر العاملون في القطاع من أن فشل مشروع «كلاريتي» قد يعيد الولايات المتحدة إلى مرحلة من التشدد التنظيمي.
وقال جوشوا ريزمان، المسؤول في شركة GSR، إن فشل المشروع سيخلق «مخاطرة حقيقية» بعودة ما وصفه بـ«غينسلر 2.0»، في إشارة إلى النهج الأكثر تشددًا الذي اتبعته إدارة بايدن السابقة تجاه صناعة العملات المشفرة.
وهذا السيناريو ستكون له انعكاسات استثمارية؛ لأن الشركات العالمية تبحث عادة عن أسواق تتمتع بوضوح تشريعي قبل ضخ رؤوس أموال كبيرة في التكنولوجيا المالية.
وقد يؤدي استمرار عدم اليقين إلى انتقال جزء من الاستثمارات المرتبطة بالعملات الرقمية إلى مراكز مالية أخرى أكثر وضوحًا من الناحية التنظيمية، وهو ما قد يؤثر بصورة غير مباشرة في مستقبل حلول الدفع المستخدمة في السفر والسياحة.
صراع آخر.. البنوك تخشى فقدان عملائها
ولا يأتي اعتراض بعض الجمهوريين في مجلس الشيوخ من فراغ، إذ تخشى البنوك من أن تؤدي بعض المنتجات الرقمية إلى جذب العملاء بعيدًا عن الحسابات المصرفية التقليدية، خاصة إذا كانت المحافظ أو الحسابات المرتبطة بالعملات المشفرة تقدم عوائد أو مكافآت أعلى.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية بالنسبة إلى السياحة.
فالمنافسة بين البنوك والمنصات الرقمية قد تنتقل مستقبلًا إلى سوق الخدمات المالية للمسافرين، من بطاقات الدفع إلى تحويل العملات وحجز الفنادق وتذاكر الطيران والتأمين على السفر.
وقد يصبح السائح أمام منظومة مالية جديدة لا تقتصر على البنك وشركة بطاقات الائتمان، وإنما تضم محافظ رقمية ومنصات أصول مشفرة وشركات تكنولوجيا مالية تقدم خدمات مالية وسياحية في الوقت نفسه.
ملايين الأميركيين.. وقوة شرائية جديدة
يقول الرئيس التنفيذي لشركة Coinbase، براين أرمسترونغ، إن ملايين الأميركيين يمتلكون العملات المشفرة، مطالبًا أعضاء مجلس الشيوخ بالمضي قدمًا في التصويت.
وبعيدًا عن الجدل السياسي، فإن وجود قاعدة كبيرة من مالكي الأصول الرقمية يعني وجود شريحة من المستهلكين قد تبحث مستقبلًا عن استخدام هذه الأصول في مجالات الحياة اليومية، ومن بينها السفر والترفيه والإقامة.
وهنا يمكن للسياحة أن تتحول إلى أحد ميادين اختبار الاستخدام الحقيقي للعملات الرقمية، خصوصًا أن المسافر الدولي يحتاج باستمرار إلى حلول دفع عابرة للحدود.
السياحة الرقمية.. اتجاه استثماري جديد
الأهمية الحقيقية لقانون «كلاريتي» بالنسبة إلى السياحة لا تكمن في العملات المشفرة بحد ذاتها، وإنما في البنية المالية الرقمية التي يمكن أن تنشأ حولها.
فوضوح القواعد الأمريكية قد يشجع شركات التكنولوجيا المالية على تطوير حلول جديدة للسفر، مثل المحافظ الرقمية متعددة العملات، وبرامج الولاء القائمة على الرموز، وتسويات المدفوعات الفورية بين الفنادق وشركات السياحة والعملاء في دول مختلفة.
كما يمكن أن يستفيد المستثمر السياحي من هذه التكنولوجيا في تقليل بعض تكاليف التحويلات، وتطوير برامج ولاء أكثر مرونة، والوصول إلى شرائح جديدة من العملاء.
لكن نجاح هذه التجربة يتوقف على توافر ثلاثة شروط رئيسية: وضوح التشريعات، وحماية المستهلك، ووجود أنظمة قوية لمكافحة الاحتيال وغسل الأموال.
سبتمبر.. موعد جديد لمعركة قد تحدد المستقبل
ومع إعلان زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون أن التصويت على المشروع سيجري في سبتمبر، تدخل معركة «كلاريتي» مرحلة جديدة.
ومن المتوقع أن تتجدد الضغوط من شركات العملات المشفرة والبنوك على حد سواء، بينما سيستمر الديمقراطيون في المطالبة بإدراج قواعد أخلاقية تتعلق بمسؤولين، بمن فيهم الرئيس، تمنع الترويج للأصول الرقمية مقابل تعويضات أثناء تولي المناصب العامة.
وبغض النظر عن نتيجة التصويت، فإن المعركة كشفت أن العملات الرقمية تجاوزت مرحلة كونها أداة استثمارية محدودة، وأصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل النظام المالي العالمي.
وبالنسبة إلى السياحة والسفر، فإن السؤال لم يعد: هل سيستخدم السائح العملات الرقمية أم لا؟
بل أصبح: هل ستتمكن صناعة السفر من تحويل المدفوعات الرقمية إلى ميزة تنافسية حقيقية، أم ستظل المخاطر التنظيمية وتقلبات السوق عائقًا أمام انتشارها؟
ومع توسع الاستثمارات في التكنولوجيا المالية وتغير سلوك المستهلك العالمي، تبدو السياحة أمام فرصة للدخول إلى عصر جديد من المدفوعات العابرة للحدود، لكن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطًا بقدرة الحكومات على تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الأسواق والمستهلكين.
ومن هذه الزاوية، فإن معركة «كلاريتي» في واشنطن ليست مجرد خلاف أمريكي حول العملات المشفرة، وإنما قد تكون إحدى المعارك التي ترسم شكل السفر والفنادق والمدفوعات السياحية في الاقتصاد الرقمي العالمي خلال السنوات المقبلة.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر